فالناظر الى الآية يرى استعمال الاداة (ما) بدلا من (من) في قوله (ما تعبدون) ، وقد علل الماوردي السبب في هذا الاختيار هو تقابل الكلام بين { لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } و { وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ } [1] . وأضاف الزمخشري رأيا آخر فقال"لأن المراد الصفة كأن قال:"لا أعبد الباطل ولاتعبدون الحق" [2] . وقريب من رأي الزمخشري كان قول القاسمي الذي ذكر علة الوصف [3] . وقد اختلف منحى تعليل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الاستعمال ورفض علة التقابل التي قال بها العلماء، ورأى فيه رأيًا ضعيفًا جدًا ، يغير اللغة ويخصص عموم القرآن [4] . وقال تعالى { وَمَا أَنْتَ بِهَدِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَتِنَا ... } [5] . فالآية الكريمة آثرت استعمال (إن) بدلا من (ما) وذلك منعا للتكرار واضفاء التنويع على الأسلوب [6] . وقال تعالى { وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا ... } [7] فالوقفة التي تستحق التأمل العميق والتقويم الدقيق ماقام به الشيخ محمد متولي الشعراوي في استدلاله بالحرف (لولا) في الرد على قاصري الفهم في تحليل النص المذكور آنفًا فقال:"أما مسألة ميل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى الكفار وأخذ الآية الكريمة (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَكَ) على أنها لوم للرسول فالرسول لم يمل للكفار قط .. والا لما بدأت الآية بحرف الامتناع لولا! ليؤكد الله - سبحانه وتعالى - امتناع حدوث هذا الشيء" [8] "
(1) ... ينظر: النكت والعيون 4/534 .
(2) ... الكشاف 4/293.
(3) ... ينظر: محاسن التأويل 17/6282.
(4) ... ينظر: مجموع فتاوى ، ابن تيمية 16/ 536-537 ، منهج ابن تيمية في تفسير القرآن ، صبري المتولي /135.
(5) ... النمل /81.
(6) ... ينظر: أساليب النفي في العربية، مصطفى النحاس/68.
(7) ... الإسراء/74.
(8) ... معجزة القرآن /232..