وقال تعالى { يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ } [1] . فنرى تحول التعبير من عبارة (فإنْ لم تبلغ( الى قوله ) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ( وقد"حسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عاما بقوله ) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ( ولم يقل: فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة حتى يكون اللفظ متغايرا وهذه المغايرة اللفظية - وإن كان المعنى واحدا - أحسن رونقا وأظهر طلاوة، من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء" [2] . وقال تعالى { وَالَّذِينَ آتَيْنَهُمْ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ ... } [3] إن رصد الجملة الفعلية في البنية التركيبية لهذه الآية يجعلنا نلمس ورود الفعل(يفرحون) بدلا من (يؤمنون) والسبب في ذلك أن الآية نزلت في أهل الكتاب وهم فرقتان، الفرقة الأولى صدقوا بالقرآن الكريم وفرحوا به وكلهم من النصارى يمثلهم ورقة بن نوفل فضلا عن اليهود الذين سروا بنزول القرآن مصدقا للتوراة ؛ لأنهم اعتقدوا أن دعوة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - مقصورة على العرب، أما الفرقة الثانية وهم معظم اليهود والنصارى الذين لم يثبت لهم الفرح بنزول القرآن الكريم وهم البعداء عن مكة والفريقان لم يؤمنوا ؛ لأنهم قد عرفوا وعلموا أن دعوة الإسلام عامة. فنلاحظ بلاغة التعبير القرآني في قوله (يفرحون) بدلا من (يؤمنون) [4] . وقال تعالى { وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ ... } [5]
(1) ... المائدة/ 67.
(2) ... هذا الرأي لصاحب كتاب (الانتصاف) وقد استأنس به القاسمي، ينظر: محاسن التأويل 6/2068.
(3) ... الرعد / 36.
(4) ... ينظر: التحرير والتنوير 13/156-157.
(5) ... البقرة /23..