والحقيقة التي نطمئن اليها ونقررها في هذا التباين بين الرأيين ماذهب اليه احد الباحثين وهو يعلق على رأي ابن الأثير هذا فقال:"وقد استشهد ابن الأثير بهذه الآية (من الخطاب الى الغيبة) والباحث قد أوردها من التكلم إلى الغيبة وكلاهما صحيح، فابن الأثير قد عد الخطاب ( اني رسول الله اليكم) فأضاف - اليكم - فاصبحت خطابا ، ونحن قلنا ، اني رسول الله - وهو تكلم" [1] . وقال تعالى { طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى - إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى - تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى - الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى - لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى - وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } [2] فالحدس الذي نلقيه على الآية الكريمة يوضح لنا انتقال الكلام من صيغة التكلم في قوله ( ما أنزلنا عليك) الى صيغة الغائب (فإنه يعلم السّرّ) ولهذه الانتقالات سمات أسلوبية تتضح من خلال دلالة التعبير والتي منها"إعادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة، ومنها أنّ هذه الصفات إنما سردت مع لفظ الغيبة، ومنها أنّه قال: أولًا: أنزلنا ففخم بالاسناد الى ضمير الواحد المطاع، ثم ثنى بالنسبة الى المختص بصفات العظمة والتمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين، ويجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل والملائكة النازلين معه وصف السماوات بالعلى: دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها" [3] ، وتابع هذا الرأي طائفة من العلماء كل على وفق رؤيته [4] .
(1) ... فن الالتفات في البلاغة العربية /62.
(2) ... طه /1-7.
(3) ... الكشاف 2/529 .
(4) ... ينظر: التفسير الكبير 22/5، كتاب التسهيل 3/10، البحر المحيط 6/225-226.