... وقد كان هذا الأمر مدعاة اهتمام البلاغيين العرب القدامى، من ذلك السكاكي الذي تعرض لموضوع تكرار العبارة في الشعر والنثر في آن معًا [1] . ويأتي الزمخشري ليدلي بدلوه في موضوع تكرار العبارة. ويرى أنَّ التكرار في القرآن"مطلوب منه تمكين المكرر في النفوس وتقريره" [2] ولم يكن رأي ابن الأثير بعيدًا عما ذهب إليه الزمخشري [3] .
... فالتكرار في العبارة أو الجملة يعمل على إيقاظ ذهن المتلقي من خلال فرع الأسماع بالجرس المنبعث من ألفاظها ومن الآيات القرآنية التي تضمنها بحثنا والتي اشتملت على تكرار العبارة قوله تعالى { ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } [4] ، فالناظر الى التعبير يطالع تكرار عبارة (وماكنت لديهم) ، وعن فائدة هذا التكرار يقول أبو السعود"وتكرير ماكنت لديهم مع تحقق المقصود بعطف إذ يختصمون على إذ يلقون كما في قوله - عز وجل - { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى } للدلالة على أنَّ كل واحد من عدم حضوره عليه الصلاة والسلام عند إلقاء الأقلام وعدم حضوره عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته عليه الصلاة والسلام ، لاسيما إذا أريد باختصامهم تنازعهم قبل الإقتراع فأنَّ تغيير الترتيب في الذكر مؤكد له" [5] . وهكذا حمل التكرار سمة التوكيد في استقلال النبوة. وهذا لم يأت لولا تكرار العبارة وإضفاء سمة أسلوبية على النص.
(1) ... ينظر: مفتاح العلوم /28.
(2) ... الكشاف 1/14.
(3) ... ينظر: المثل السائر 3/15.
(4) ... آل عمران /44.
(5) ... إرشاد العقل السليم 1/361.