... فجاء الجناس المكتنف ليحقق وحدة موسيقية وترجيعًا نغميًا بفضل تشابه الحروف بين اللفظتين وليمنح النص عمقا دلاليا عن طريق اختلاف المعنى في كل منها والعلاقة عكسية قائمة على التضاد بين حركة الامتداد لماء البحر وكتابة كلمات الله من غير توقف، فلا تنتهي هذه الكلمات إلا بنهاية ماء البحر ونفاده، في حين جاء بلفظة (مددا) الدالة على الزيادة غير أنّها ضئيلة جدًا أمام علم الله وقدرته. هذا على نطاق الدلالة ، أما على نطاق الناحية الصوتية فهنالك تنوع في الزمن الإيقاعي للفظتين، فلفظة (مدادا) أطول من الزمن الإيقاعي لكلمة (مددًا) تواشجًا مع متطلبات الدلالة"فالبحر كل مكان جامع للماء الكثير وهنا جاء مثلًا للمداد فاحتاج الى هذا الزمن الإيقاعي والطويل بما ينسجم مع المعنى أما المدد فهو دال على الزيادة ولكن إزاء كلمات الله فهو ضئيل جدًا فجاء الزمن الإيقاعي أقصر معبرًا عن أنّ هذه الزيادة في المداد متناهية أما علم الله فهو غير متناه" [1] .
... ومن الآيات الأخرى التي تضمنت الجناس غير التام (الناقص) قوله تعالى: { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى - وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى } [2] ، فنرى الجناس بين (غوى) و (هوى) وهو جناس التصريف المضارع فاللفظتان متشابهتان في حروف الواو والالف، ومختلفة في حرفي (الغين) و (الهاء) هذا التقارب بين اللفظتين قد أفاد شيئا من كسب انتباه المخاطب فضلا عن الإيحاء الذي غلف التعبير كذلك التضاد القائم بين تنوع حرفي الغين والهاء في اللفظتين ، غير أننا نجد أنَّ دلالة كل منهما متقاربة في معناها فلفظة (غوى) بمعنى الضلال المؤدي الى فساد الرأي وتعلقه بالباطل.
(1) ... الجناس في القرآن الكريم ، أسماء سعود الخطاب (رسالة ماجستير) /99.
(2) ... النجم /2-3.