الصفحة 16 من 26

الوقفة الأولى:ولتكن هذه الوقفة من سورة البقرة، حيث بدأ بالآية الثالثة منها، وهي قول الله تبارك وتعالى [البقرة: 3] ، قال: فيها مسألتان:

المسألة الأولى:"يؤمنون"، قد بيّنا حقيقة الإيمان في كتب الأصول ومنها تؤخذ.

المسألة الثانية:"بالغيب"وحقيقته ما غاب عن الحواس مما لا يوصل إليه إلاَّ الخبر دون النظر، فأفهموه [1] .

ثم ذكر اختلاف العلماء ورجَّح بعد ذلك الرأي الذي اختاره وبه استقل، فقال: وقد اختلف فيه ـ أي الغيب ـ على أربعة أقوال:

الأول: ما ذكرناه كوجوب البعث، ووجود الجنة ونعيمها، والنار وعذابها والحساب.

الثاني: بالقدر.

الثالث: بالله.

الرابع: يؤمنون بقلوبهم الغائبة عن الخلق، بألسنتهم التي يشاهدها الناس، معناه ليسوا بمنافقين.

ثم قال: وكلها قوية، إلاَّ الثاني والثالث، فإنَّه يدرك بصحيح النظر، فلا يكون غيبًا حقيقة وهذا الأوسط وإنْ كان عامًا فإنَّ مخرجه على الخصوص، والأقوى هو الأول أنَّه الغيب الذي أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام مما لا تهتدي إليه العقول، والإيمان بالقلوب الغائبة عن الخلق، ويكون موضع المجرور على هذا رفعًا.

وعلى التقدير الأول يكون نصبًا، كقولك: مررتُ بزيد، ويجوز أنْ يكون الأول مقدرًا نصبًا، كأنَّه يقول: جعلت قلبي محلًا للإيمان، وذلك الإيمان بالغيب عن الخلق، ثم قال: وكل هذه المعاني صحيحة، لا يحكم له بالإيمان ولا بحمى الذمار، ولا يوجب له الاحترام إلاَّ باجتماع هذه الثلاث، فإنْ أخلَّ بشيء منها لم يكن له حرمة ولا يستحق عصمة.

وبدأ سورة آل عمران من الآية الواحدة والعشرين، وهي قوله تعالى [آل عمران: 21] ، وسورة النساء بدأها من قوله تبارك وتعالى [النساء: 1] ، لأنَّه تطرق فيها إلى حكم ذوي الأرحام، وهكذا مع كل سور القرآن.

(1) أحكام القرآن، 1/8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت