يقول الذهبي: فأنت ترى أنَّ المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ لم يرقه هذا الاستدلال الذي أظهر بطلانه، وهذا دليل على أنَّه يستعمل عقله الحر أحيانًا، فلا يسكت عن الذلة العلمية فيما يعتقد، وإنْ كان فيها ترويج لمذهبه، أما في مقام إنصاف ابن العربي لمن خالفه الرأي فيظهر ذلك على سبيل المثال لا الحصر في تفسيره لقول الله تعالى [المائدة: 6] .
قال ـ رحمه الله تعالى ـ بعد أن ذكر في تفسير هذه الآية كثيرًا من الأحكام استخرجها منها، قال:
المسألة السابعة والعشرون:
قوله تعالى (برؤسكم) الرأس عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه، فلما ذكره الله سبحانه وتعالى في الوضوء، وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح، ولو لم يذكر الغسل أولًا فيه للزم مسحه جميعه، ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان والأنف والفم، انتزاع بديع من الآية، وما أشار مالك إلى نحوه، فإنَّه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء، فقال: أرأيت لو ترك بعض وجهه أكان يجزيه؟ ومسألة مسح الرأس في الوضوء معضلة ويا طالما تتبعتها لأحيط بها حتى علمني الله بفضله إياها، فخذوها مجملة في علمها مسجلة بالصواب في حكمها، واستيفائها في حكم المسائل:"... ثم قال رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في مسح الرأي على أحد عشر قولًا:"
الأول: إنَّه إنْ مسح منه شعرة واحدة أجزأته.
الثاني: ثلاث شعرات.
الثالث: ما يقع عليه الاسم. ثم قال ـ رحمه الله ـ: ذكر لنا هذه الأقوال الثلاثة فخر الإسلام بمدينة السلام في الدرس عن الشافعي.
الرابع: قال أبو حنيفة: يمسح الناصية [1] .
الخامس: قال أبو حنيفة: إنَّ الغرض أنْ يمسح الربع.
السادس: قال أيضًا أبو حنيفة في روايته الثالثة: لا يجزيه إلاَّ أنْ يمسح الناصية بثلاث أصابع أو أربع [2] .
السابع: يمسح الجميع، قاله مالك.
الثامن: إنْ ترك اليسير من غير قصد أجزأه.
(1) أحكام القرآن، للجصاص، 3/346 وما بعدها.
(2) المرجع السابق.