فنظرنا في موارد (هـ جـ ر) في لسان العرب على هذا النظام فوجدناه سبعة: ضد الوصل، ما لا ينبغي من القول، مجانبة الشيء، ومنه الهجرة، هذيان المريض. ونظرنا في هذه الموارد فألفيناها تدور على حرف واحد وهو البعد عن الشيء، فالهجر قد بعد عن الوصل الذي ينبغي من الألفة وجميل الصحبة، وما لا ينبغي من القول قد بعد عن الصواب، ومجانبة الشيء بعد الفراغ منه وأخذ في جانب آخر عنه، وهذيان المريض قد بعد عن نظام الكلام، وانتصاف النهار قد بعد عن طرفيه المحمودين في اعتدال الهواء وإمكان التصرف، والشاب الحسن قد بعد عن العاب [1] .
والحبل الذي يشد به البعير قد أبعده عن استرساله في تصرفه واسترساله ما ربط عن تقلقله وتحركه، وإذا ثبت هذا وكان مرجع الجميع إلى البعد، فمعنى الآية: أبعدوهن في المضاجع، لا يحتاج هذا إلى هذا التكلُّف الذي ذكره العالِم، وهو لا ينبغي لمثل السدي والكلبي، فكيف أنْ يختاره الطبري؟!!
الوقفة السادسة: مناقشاته اللُّغوية:
كثيرًا ما يحتج ابن العربي المالكي باللُّغة ويناقش على ضوئها كثيرًا من المسائل، ويرجح ما يراه من خلال اقتناعه بما ساق من أدلة، وربما استشهد بآراء آخرين يخالفونه الرأي، ولكن إنْ وجد الحق فيما يعتقد معهم أخذ برأيهم.
ومن أمثلة ذلك تفسيره لسورة العصر، ولم يفسر منها إلاَّ كلمة واحدة هي قوله تعالى [العصر: 1] .
قال ابن العربي: من حلف ألا يكلم رجلًا عصرًا لم يكلمه سنة، ولو حلف ألا يكلمه العصر لم يكلمه أبدًا، لأنَّ العصر هو الدهر...
ثم قال ابن العربي: بناء (ع ص ر) ينطلق على كثير من المعاني، فأمَّا ما يتعلق بالزمان؛ ففيه أربعة أقوال:
الأول: العصر الدهر.
والثاني: الليل والنهار، قال الشاعر [2] :
ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أنْ يدركا ما يتمما
والثالث: العصر الغداة والعشي، قال الشاعر:
(1) العاب: العيب والذم.
(2) وهو حميد بن نور.