قال إسماعيل القاضي: زعم بعض أهل العراق أنَّ السيد إذا زوَّج عبده من أَمَته أنَّه لا يجب فيه صداق، وكيف يجوز هذا ونكاح بغير صداق سفاح؟ وبالغ في الرد، وبيَّن أنَّ الله ذكر نكاح كل امرأة فقرنه بذكر الصداق، فقال في الإماء: وقال تعالى [المائدة: 3] ، وقال [الممتحنة: 10] .
فيكف يخلو عنه عقد حَكَمَ الشرع فيه بأنْ يجب في كل نوع منه، حتى أنَّه لو سكت في العقد عنه لوجب بالوطء؟!
قال ابن العربي: وهذا الذي ذكره القاضي إسماعيل هو مذهب الشافعي وأبو حنيفة.
وقد تعرَّض الحنفيون والشافعيون للرد على إسماعيل، فرد عليه أبو بكر الرازي في كتابه:"أحكام القرآن"، ورد عليه علي بن محمد الطبري الهراسي في كتابه:"أحكام القرآن"، فتعرضوا للارتقاء في صفوفه بغير تمييز.
ثم فصَّل ابن العربي قوليْ الرازي والهراسي وقال:"قال الرازي: يجب المهر ويسقط، فقال لا تكون استباحة البضع بغير بدل، ويسقط في الثاني حيث يستحقه المولى، لأنَّها لا تملكه، والمولى هو الذي يملك مالها. ولا يثبت للمولى على عبده دين."
وقال الطبري: إنَّ المهر لو وجب لشخص على شخص، فمن الذي أوجبه؟ وعلى من وجب؟ فإنْ قلت: وجب للسيد على العبد فهذا محال أنْ يثبت له دين على عبده، ووجوبه لا على أحد محال، وكما أنَّ العقد يقتضي الإيجاب؛ كذلك الملك يقتضي الإسقاط، وليس إيجابه ضرورة الإسقاط، كما يقال: إنَّ إثبات الملك للابن ضرورة العتق، لا يتصور بدون الملك، أمَّا إسقاط المهر فلا يقتضي إثباته، فوجب ألاَّ يجب بحال.
قد دلَّ الدليل على أنَّ العبد لا يملك بالتمليك أصلًا، وإذا لم يملك ولا بُدَّ من مالك واستحال أنْ يكون السيد مالكًا، فامتنع لذلك وعاد الكلام إلى أصل آخر، وهو أنَّ العبد هل يملك أم لا؟