والعمر هو هذه الأيام والليالي فقط، قد تموت الليلة، وقد تموت غدًا، وقد تموت قريبًا، وقد تتأخر فاصبر، كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: [[الموت عقبة كئود، وسوف تعبرها ] ] فتحمل هذا اليوم وغدًا وبعد غد، وإذا بك تحمد صبرك، كما يقال في المثل: '' عند الصباح يحمد القوم السرى '' أي": أنهم يتعبون في مشيهم بالليل، فإذا جاء الصباح نظروا، فرأوا أنهم قد قطعوا مسافة كبيرة بالليل ففرحوا بسراهم بالليل عندما جاء الصباح، وآخرون ناموا بالليل، فإذا هم في الصباح متخلفون عن أولئك، فتراهم في حزن يقولون: هؤلاء قد وصلوا ونحن منقطعون."
فاصبر واعلم أن النصر مع الصبر، لا ينفك أحدهما عن الآخر ويوضح ذلك قوله بعد ذلك: { وأن الفرج مع الكرب } .
ورحم الله من قال:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرجُ
فغالبًا ما يأتي الفرج بعد الضيق والشدة والكرب، ويأتي النصر بعد أن تعاني ما تعاني، وما أكثر الأمثلة على ذلك! ولو بقينا في الأمثلة لاحتجنا إلى لقاءات طويلة في ذكرها.
نماذج من صبر الأنبياء
أول الرسل نوح عليه السلام:
عانى الكرب! ولهذا يقول الله تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات:76] قضَّى ألف سنة إلا خمسين عامًا كلها دعوة، ثم أمره الله عز وجل بعد يأسه من قومه, أن يصنع الفلك، [هود:38] .
وتلك مرارة عظيمة أشد من الرجم أحيانًا، وكانوا يقولون: كان نوح رسولًا، والآن أصبح نجارًا، يقطع الخشب ويأتي بالألواح والدسر، ماذا تريد يا نوح؟! وهذا يسخر، وهذا يضحك.. قد أحاط به الكرب، وبعد ذلك نجَّاه اللهُ من هذا الكرب.
إبراهيم عليه السلام:
جُمع له الحطب الكثير، وأوقدت فيه النار العظيمة، وجيء بالمنجنيق ووضع الخليل فيه، وقذف به، فلما ألقي فيها: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] .