ثم قال موسى لقومه: إن الله قد أمرنا أن نخرج، فخرجوا ولحقهم فرعون وجنوده، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] وكأنهم يقولون:"يا موسى! ليس لنا الآن حيلة، قد أدركَنا جيشُ فرعون الذي أو لم يقهر، ولا حيلة ولا مهرب؛ فالبحر أمامنا وهذا فرعون وجنوده خلفنا! وانتهى كل شيء."
فيأتي الفرج من الله عز وجل مع هذا الكرب الشديد، ومع استحكامه..!
وعيسى عليه السلام:
لما مكر به اليهود وأحاطوا به، وما بقي إلا أن يقتلوه ويعلقوه على الصليب، رفعه الله تبارك وتعالى إليه، وألقى الشبه على الذي نمَّ ودل عليه، فوضع مكانه وصلب..!
نماذج من السيرة النبوية
أما رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فما أكثر ما مر عليه من الكروب صلوات ربي وسلامه عليه، وهذه سيرته بين أيدينا.
في يوم الغار يقول أبو بكر رضي الله تعالى عنه: {يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدمه لرآنا } ولا حيلة لهما، فهما اثنان، وصناديد قريش بعدتهم حول الغار، وقد أغروا من يأتيهم بمحمد أو بأبي بكر حيين أو ميتين بمائة ناقة، وهي أعز وأعظم مال عند العرب كرب شديد، إذا دخلوا عليهم الغار، فأين المهرب؟!
فيقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي بكر: {ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! ويقول له أيضًا: لا تحزن إن الله معنا! } سبحان الله! فعند شدة الكرب يأتي الفرج من الله، وانصرفوا عنهم، بل قيَّض الله لهم من يصرف الناس عنهم بعد أن كان طامعًا في قتلهم، فكان سراقة يقول لهم: {أما هذا الجانب فقد كفيتموه } اطمئنوا فليسوا هنا أبدًا، ابحثوا في مكان آخر، فلقد أراد الله أن يصرف عنه السوء حتى يصل إلى المدينة .
واشتد عليه الكرب صلوات ربي وسلامه عليه يوم أحد كما تعلمون، ثم جاءه الفرج من عند الله، ونزلت ستون آية عظيمة من سورة آل عمران تُبَيِّنُ الحِكَمَ العجيبة والنعم الباطنة الخفية ضمن هذه الحادثة المؤلمة.