الجواب: الأسباب لا بد منها، وهي لا تنافي التوكل، وهذا موضوع آخر غير الموضوع الذي نحن فيه، لكن الآن الكلام جرَّنا إلى الحديث عن الواسطة، فلابد أن نشير إلى شيء مهم، وهو أن الناس كلما أحدثوا ذنوبًا أحدث الله لهم عقوبات، يعلمونها أو لا يعلمونها، فالواسطة عقوبة من العقوبات، أن بعض من تولَّى لم يتق الله فيما تولاه من عمل، فمن تولى على شركة أو إدارة أو وزارة أو مصلحة معينة، لو اتقى الله ولو توكل على الله؛ فمن جاء إلى وظيفة، فلن يحتاج إلى الواسطة؛ لكن لأن المسؤول لا يتقي عقوبة الذنوب التي عليه وعلى من تولى؛ ولأن السائل ضعيف اليقين وضعيف التوكل، فإنه احتاج إلى هذه الواسطة.
حتى إن بعض الناس يقولها لك بصراحة: عندك واسطة؟!
أنت تأتي بالأوراق كاملة وهو يقول: عندك واسطة؟! وهو في نفس الإدارة التي تذهب إليها!
ما الذي أحوجنا إلى أن نتوسط بالمخلوق إلى المخلوق الضعيف؟!
نحن نشتكي من الضعيف إلى الضعيف، ونستشفع بالفقير إلى الفقير، ونستدل بالأعمى على الأعمى، ضعف إيمان مشترك من الطرفين، ولو صدق يقيننا في الله لرزقنا، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا } فليس لدى الطيور مستودعات ولا ثلاجات ولا خزانات ولا... إلخ لكنها كل يوم تروح في أرض الله خماصًا خاوية البطون، وترجع بطانًا قد أشبعها الله من فضله، لكننا نحن في طمع وشره، فالمسئول يريد الواسطات؛ لأنه لو جاء صاحب الطلب وأوراقه مكتملة، ومشى أمره، فلن يستفيد من ورائه مصلحة.. أما في حالة الواسطة فإنه يستفيد؛ إذ إن هذا الواسطة يبادله بمصلحة مماثلة عند الاحتياج، ويخضع له ويحترمه.
وهكذا النفوس إذا خوت من مراعاة تقوى الله؛ وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته } فلو أن كل إنسان اتقى الله وعرف هذا الحديث فلن نحتاج بعد ذلك إلى الواسطة.