ويدل على وجود هذا اللبس، ما رواه البيهقي في سننه، والحاكم في مستدركه وصححه، أنه: لما نزلت عِدّة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعب رضي الله عنه: يا رسول الله؛ إنَّ أناسًا من أهل المدينة يقولون: قد بقي من النساء ما لم يُذكر فيه شيء، قال: وما هو؟ قال: الصغار، والكبار، وذوات الحمل، قال: فنزلت: { وَاللآئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ ... الآية } [1] .
أما حكمة كون العدة بالأشهر في الكبيرة والصغيرة، دون نظر إلى الأقراء، فذلك لانعدام الأقراء في العادة،"والأحكام إنما أجراها الله تعالى على العادات، فهي تعتدّ بالأشهر، فإذا رأت الدم في زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم لوجود الأصل، وإذا وُجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أنَّ المسنّة إذا اعتدت بالدم ثم ارتفع عادت إلى الأشهر، وهذا إجماع" [2] .
وأما السر في أنَّ هذه المدّة الزمنية (ثلاثة أشهر) ، فذلك لأنَّ كل شهرٍ يقوم مقام حيضةٍ أو طُهر، لأنَّ أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر [3] .
والمراد بالصغيرة هنا التي لم تبلغ سنّ الحيض، أمّا الكبيرة فهي التي يئست من المحيض، وحدد بعضهم [4] لذلك سنًا، فقال: ستون سنة، وقيل: خمسٌ وخمسون.
(1) البيهقي، أحمد بن الحسين: السنن الكبرى، تحقيق: محمد عطا، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1414هـ/1994م) ، كتاب العدد، باب رقم 1، حديث رقم 15379، ج7، ص180. الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، (حلب: مكتبة المطبوعات الإسلامية، د.ر، د.ر) ، ج2، ص492-493، كتاب التفسير، سورة الطلاق. وقال عنه:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج18، ص165.
(3) انظر: البقاعي، إبراهيم بن عمر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1415هـ/1995م) ، ج8، ص32.
(4) ومنهم: البقاعي: نظم الدرر، ج8، ص31. المراغي: تفسير المراغي، ج28، ص143.