يظهر في الآيتين السابقتين؛ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل للطفل على أمّه أن ترضعه حولين كاملين، وفي ذلك سرٌ إلهي وحكمة ربانية: فهو سبحانه خالق هذا الإنسان، وهو العليم بحاجاته، ومتطلبات جسده ونفسه، فهذه الفترة هي أقصى مدة زمنية يكون فيها الطفل بحاجةٍ إلى الرضاعة، فهي الفترة المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية، وهذا ما أثبتته البحوث الصحية والنفسية المعاصرة [1] .
كما أن في هذا التحديد الزمني أسرار ولطائف أخرى، منها [2] :
1-أنّ المقصود من هذا التحديد ، قطع التنازع بين الزوجين في حال تنازعهما في مدّة الرضاع، فحدّد الله ذلك بالحولين، حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما، فإذا أراد أحد الأبوين أنْ يفطمه قبل الحولين لم يكن له ذلك، أمّا إذا اجتمعا واتفقا على فطامه قبل الحولين، وثبت أنّ ذلك ليس فيه ضرر على المولود ، فلهما ذلك.
2-وفي هذا التحديد الزمني ما يدل على أنّ الرضاعة المحرِّمة، الجارية مجرى النسب، إنما هي ما كان في الحولين، لأنّه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة. ويُروى في ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما - أنَّه قال:"لا يَحرُم من الرضاع إلا ما كان في الحولين" [3] .
سادسًا: مدّة الحمل والفِصال (ثلاثون شهرًا)
(1) انظر: قطب، سيد: الظلال، ج1، ص 254. ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج2، ص431.
(2) الرازي: التفسير الكبير، ج2، ص459. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص162.
(3) أخرجه الدارقطني مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: السنن، تحقيق: عبد الله المدني، (القاهرة: دار المحاسن، د.ر، 1386هـ/ 1966م) ، ج4، ص174، كتاب الرضاع، حديث رقم 10. ورواه البيهقي موقوفًا على ابن عباس، وقال:"الصحيح موقوف". السنن الكبرى، كتاب الرّضاع، باب رقم 5، حديث رقم 15668. ج7، ص761.