بل إن السلف كانوا يعنون بفقه القلوب قبل فقه الأبدان وبالأصول قبل الفروع ولذلك عندما وضع الإمام أبو حنيفة ورقات في العقيدة سماها [الفقه الأكبر] ويقول ابن عابدين: »المراد بالفقهاء العالمون بأحكام الله تعالى اعتقادا وعملا لأن تسمية علم الفروع فقها حادثة « (6) وفي عبارة أوضح وأشمل وأجمل يقول الغزالي: » لقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب يدلك عليه قوله عز وجل: { ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ، وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة... « إلى أن يقول: » بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه« (7) .
بهذا المفهوم الشامل للفقه تناول ابن أبي زيد القيرواني تأليف الرسالة، وهو أول طبقات المتأخرين من المالكية، وقيل عنه: »ما قبله سلف وما بعده خلف« بهذه النظرة السلفية القريبة من عهد النبوة تناول الفقه وتابعه في ذلك المالكية.
-ومن جهة أخرى فإن الفقه بهذا المفهوم الواسع مرتبط بأحوال الناس وواقعهم، وحاجة الناس إلى روح الأحكام أكثر من حاجتهم إلى الحكم ذاته، وتشوفهم إلى تذوق طعم الإيمان أرغب إلى نفوسهم من قيل وقال وكثرة السؤال، ولذلك ربط فقهاؤنا في دراستهم بين ما ذكرنا ربطا محكما لا تضيع معه حلقة من حلقات الدين الذي جاء ليهذب سلوك المجتمع.
ثم إن إقامة الحكم الشرعي بوجه يسقط الكلفة، ويبرئ الذمة دون مراعاة مقصد الحكم من قبول، ومعراج، ووصول، جعل الناس تنسلخ من الدين وجوهره، وإن تمسكوا بشكله ومظهره، وهذا لعمري قاصمة الظهر، وداهية الدواهي.