وكذلك أجمعوا أن المآء المستبحر الكثير إذا دخلت فيه النجاسة ، فلم تظهر فيه بلون ولاطعم ولاريح ولاأثر ، أن ذلك المآ الطاهر مطهر كما كان سوا في ذلكم طهارته .
فإن كان المآ قليلا ، أو كان غير مستبحر ، وحلت فيه النجاسة ، فلم يظهر فيها لون ولاطعم ولاريح ، فهذا موضع كثر فيه النزاع والاختلاف قديما وحديثا ، واختلفت فيه الآثار أيضا:
وأصل أهل المدينة فيه ، وهو أيضا مذهب أهل البصرة ، وإليه ذهب أكثر أهل النظر ، وهو الذي اختاره أكثر أصحابنا المالكيون، من البغداديين ، أن ذلك المآ طاهر مطهر قليلا كان أو كثيرا ، لأن الما لاينجسه شيء إلا ما غلب عليه ، ولو نجسه غير ما يغلب عليه المآ صحت به طهارته لأحد أبدا ،ولو كان القليل فيه نسبة قليل النجاسة ، ماصح الاستنجآ بالمآء لأحد ، والحجة في هذا المذهب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صبه على بول الأعرابي ذنوبا من مآء حين بال في المسجد عنده ، وهو أصح الأحاديث كلها ، المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المآء من جهة الإسناد والمعنى .