وفيه دليل واضح على أن كل المآء من النجاسات ، والحكم للمآء لاللنجاسة ، ولا مراعاة لما خالطه ومازجه إذا كان الماء غالبا ، لأن هذا حكم ما جعله الله طهورا مطهرا لغيره ، ومعلوم أن البول إذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصب عليه قد مازج ، ولكن لما كان الما غالبا كان مطهرا للبول ، وكان الحكم له ، ولم يكن للبول المستهلك فيه حكم ، لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولافرق عندنا بين حلول المآ على النجاسة وبين حلولها عليه ، ولم أر للذين فرقوا بينهما من الشافعيين حجة يعجز الخصم عن معارضتها ، وليس شيء من المايعات يحل هذا المحل غير الماء فاعلمه . والماء عندنا لايفسده إلا ما غلب عليه من النجاسات المحرمات ، أو ظهر فيه منها ، وهذا مذهب مالك بن أنس وأهل المدينة وأكثرهم ، وهي رواية المدنيين من أصحاب مالك عن مالك ، وكذلك حكاه أبو المصعب عن مالك وأهل المدينة ، وأما المصريون من أصحاب مالك يفسده عندهم قليل النجاسة ، وإن كثر لايفسده إلا ماغلب عليه من النجاسة أو ظهرت فيه بطعم أو ريح أو لون ، ولم يحدوا بين القليل والكثير حدا ، وهذا مذهب الشافعي سوآ ، إلا إن وجد في ذلك جدا لحديث القلتين .
وروى ابن القسم عن مالك في الجنب يغتسل في الحوض الذي يسقى منه الدواب ، ولم يكن غسل مابه من الأذى ، فقال: قد أفسد المآء ونجسه . وسئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة - وهي حياض كبار يغتسل فيها الجنب - ولم يغسل مابه من الأذى ،فقال: أكره للجنب أن يغتسل في المآ الدائم ، ولايضر المآء ذلك إذا كان كثيرا . فقد تبين بما ذكره ابن القسم عنه ما أضفنا فيه عنهم .