وقال عبدالله بن غانم: قلت لمالك: إنا لم نكد نرى الصفرة والكدرة شيئا ، ولا نرى ذلك إلا في الدم العبيط ، فقال مالك: وهل الصفرة والكدرة إلا دم ؟ ثم قال: إن هذا البلد إنما كان العمل فيه بالنبوة وإن غيرهم إنما العمل فيهم بأمر الملوك .
وقد اختلف العلماء في الصفرة والكدرة ، قديما وحديثا اختلافا كثيرا ، والصواب ماقلت لك - إن شاء الله تعالى - وعليه أكثر الفقهاء بالحجاز والعراق ، وبالله العصمة والتوفيق .
الحديث الخامس: حديث عايشة"رضي الله عنها"أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فوجدها ، فأدركتهما الصلاة وليس معهم مآ فصلوا وشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله آية التيمم .
هكذا ذكرت الحديث في كتابك ، فقلت:فكأن البخاري رحمه الله جوز الصلاة عند العذر وامتناع التيمم بغير تيمم .
فالجواب: إن هذا الباب قد اختلف فيه العلمآء قديما ، وتنازع فيه فقها الأمصار ، فذهب منهم قوم إلى أن المحبوسين في المصر والمهدم عليهم والمصلوبين ، وكل من لايقدر على الوضوء بالمآء وعلى التيمم بالأرض أو التراب ، أنه لايصلي حتى يمكنه الوضوء أو التيمم ، ولو أقام ماشا الله أن يقيم ، فإذا انطلق صلى كل صلاة لم يكن صلاها من أجل ذلك . وحجة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لايقبل الله صلاة بغير طهور"فمن لم يمكنه الطهور ولم يكن له إلى الصلاة سبيل.
وممن ذهب إلى هذا من أصحابنا أشهب ، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والثوري وزفر ، وهو أحد قولي الشافعي .