وفي قوله"ولم يحرمها الناس"أيضا ، دليل واضح على أن قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها"ليس على ظاهره ، وهو حديث رواه مالك عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس ، وعمرو بن أبي عمرو من شيوخ مالك وليس بذاك القوي عند بعضهم .
ومعناه عندي - والله أعلم - أن إبراهيم"عليه السلام"أعلم بتحريم مكة ، وعلم أنها حرام بإخباره ، فكأنه حرمها، إذ لم يعرف تحريمها أولا في زمانه إلا على لسانه ، كما أضاف عز وجل توفي النفوس مرة إليه بقوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس ) . ومرة إلى ملك الموت بقوله ( الذين تتوفاهم الملائكة ) . وجايز أن يضاف الشيء إلى من له فيه سبب في كلام العرب.ويحتمل أن يكون معناه أن إبراهيم منع من الصيد بمكة ، والقتال فيها ونحو ذلك ، وإني أمنع من مثل ذلك في المدينة ، والتحريم في كلام العرب المنع ، تقول العرب: حرمت عليك داري ، أي منعتك من دخولها ، وقال الله تعالى:"وحرمنا عليه المراضع من قبل"وموسى صغير لاتلحقه عبادة وإنما أراد: منعناه قبول المراضع ، وكما يدل أيضا أن الله حرم وليس إبراهيم الذي حرمها ، كما روى عمرو عن أنس قول عمر بن الخطاب"رضي الله عنه"لعبدالله بن عياش ابن أبي ربيعة: أنت القايل لبلد خير منى من المدينة ؟ فقال له: هي حرم الله وأمنه وفيها نبيه . فقال عمر: لا أقول حرم الله شيئا . ولم يقل له: لا تقل حرم الله وحرم إبراهيم .
وفي حديث مالك وغيره عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إن إبراهيم دعاك بمكة". وهذا أولى من رواية من روى:"إن إيراهيم حرم مكة".