وقد ثبت بالآثار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، وأنها بلد حرام ، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض . وهذا مشهور صحيح عند أهل الأثر وجماعة أهل السير فلا وجه لما خالفه من الرواية ، على أنها ليست بالقوية ، ولو صحت لكان معناها ماذكرنا ، والله أعلم .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم"إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس"تعظيم منه لحرمتها .
وفيه - والله أعلم - دليل على أن ماحرم الله في كتابه نصا متلوا ، أو خبرا عن الله صحيحا ، كان أقوى من تحريم الأنبياء"عليهم السلام"المأمور بطاعتهم والاقتداء بهم ، وهذا موضع اختلف فيه العلمآ قديما وحديثا:
فقوم ذهبوا إلى هذا وهو مذهب أصحابنا المالكيين . وقوم ذهبوا إلى أن ماحرم الرسول وحرم الله سواء ولكل واحد من الفريقين حجج يطول ذكرها . وقد أجمعوا أن صيد المدينة لاجزآ له ولافدية ، وهو تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن صيد مكة لجزاء ، لأنه من نص كتاب الله عز وجل ، وهذا مما يحتج به لأصحابنا ، وبالله توفيقنا
وفيه أيضا دليل على أن الأنبياء لهم أن يحرموا بما أراهم الله وأذن لهم فيه ، والله أعلم .
وأما قولك: مامعنى قوله"عليه السلام":"قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس"وهو عليه السلام قد أمر بقتل ابن خطل وقتل الفواسق ، فمعناه عندي - والله أعلم - أن ابن خطل لما وجب سفك دمه لما كان قد ارتكبه من الارتداد ، وقتل من قتل من المسلمين ، لم تنفعه مكة وحرمتها فيما قد لزمه ، وهو قول أكثر الفقهاء ، وسنذكر اختلافهم في ذلك عند تمام القول في هذا الباب - إن شاء الله تعالى- .
ويحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتل ابن خطل وغيره ، إلا في الوقت الذي أحل له فيها القتال .