وإذا كانت الفصحى تقف على المنون بإبدال تنوينه ألفًا، إن كان بعد فتحة، وبحذفه إن كان بعد ضمة أو كسرة بلا بدل، فإن أزد السّراة يقفون بإبدال التنوين ألفًا بعد الفتحة، وواوًا بعد الضمة، وياء بعد الكسرة، فيقولون: رأيت زيدا، وهذا زيدو، وهذا عُمَرو ، ومررت بزيدي، وبعمري. عزا هذه اللغة إليهم سيبويه، وقال:"جعلوه قياسًا واحدًا، فأثبتوا الياء والواو كما أثبتوا الألف" (1) .
وهو قياس طريف له وجه مقبول، ووصْفُ ابن الشجري لهذه اللغة بالرداءة، وتعليل ذلك بثقل الواو والضمة، والياء والكسرة، ولالتباس الياء في نحو: مررت بزيدي وبغلامي بياء المتكلم (2) ، لا يقدح في فصاحة هذه اللغة. قال السيوطيّ:"وكأن البيان عندهم أولى، وإن لزم الثقل" (3) .
ولعلهم - أعني: أزد السّراة - قد حذفوا التنوين في الرفع والجر على القياس من كلام العرب، ثم أشبعوا الضمة فتولد عنها واو، وأشبعوا الكسرة فتولد عنها الياء. والإشباع ظاهرة تكاد تكون مطردة في لغاتهم، كقول الشنفرى الأزدي (4) :
أو الخَشْرَمُ المبعوثُ حَثْحَثَ دَبْرَهُ ... محابيضُ أرساهنَّ شارٍ مُعَسَّلِ
قال الزَّبيدي:"أشبع الكسرة في محابضَ فولّد ياء ، وأراد بالشّاري الشّائر فقلبه" (5) .
ولا تزال هذه الظاهرة باقية إلى اليوم في أزد السراة، فأنت تسمعهم يقولون في أخذتُه للمتكلم، وأعطيتَه للمخاطب ،وأعطيتِه للمخاطبة:"أخذتُوه، أعطيتَاه، أعطيتِيه". أشبعوا الحركات الثلاث فتولد عنها حروف المد الثلاثة (6) .
(1) الكتاب4/167.وينظر:الأصول2/372،واللباب2/201،وشرح الكافية الشافية4/1981، 1983، والمساعد 4/303، وارتشاف الضرب 2/800، والتصريح 4/203.
(2) الأمالي 1/159.
(3) همع الهوا مع 3/386.
(4) ديوانه 76. وروايته: (سامٍ معسل) .
(5) التاج (حبض) 5/18.
(6) ينظر: الإشباع ظاهرة حضارية (مقال للباحث) جريدة المدينة (ملحق التراث) العدد السادس والثلاثون، 3 رجب 1417ه.