فهرس الكتاب
إنَّ مَنْ يتوجّه إلى ربّه عزّ وجلّ بعد شعوره بضعفه، وحاجته الماسة إلى ملك الملوك، ومن بيديه خزائن السموات والأرض، أنْ يحمد ربه ويثني عليه، ويمجّده بما هو أهله، ويجعل ذلك وسيلته إلى رضاء ربّه وقبول دعائه، فإنَّ المتتبع لأدعية القرآن الكريم، وأحاديث خاتم المرسلين - صلى الله عليه وسلم - ، يجد ذلك بيّنًا وواضحًا ـ كلّ الوضوح ـ، ومن أمثلة ذلك سورة الفاتحة، التي هي مفتاح كتاب ربّ العالمين، وأعظم وأفضل سور القرآن العظيم، وأم القرآن، والجامعة لمقاصده، بدأت بحمد الله، وأثنت عليه ومجدته سبحانه وتعالى، ثم ذكرت الاعتراف بعبوديّته، والاستعانة به وحده، وشرعت بعد ذلك في أعظم دعاء: { اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } [الفاتحة: 6-7] .
قال العلامة ابن قيم ـ رحمه الله تعالى ـ:"ولمَّا كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب، علَّم الله عباده كيفيّة سؤاله، وأمرهم أنْ يقدّموا بين يديه حمده، والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديّتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسّل إليهم بأسمائه وصفاته، وتوسّل إليه بعبوديّته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يردّ معهما الدعاء" [1] .
ومن أدعية القرآن المبدوءة بتمجيد الله تعالى:
? دعاء يونس - عليه السلام -: { لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 87] .
? ودعاء يوسف - عليه السلام -: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف: 101] .
(1) مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين: لابن قيم، 1/23.