فهرس الكتاب
وفي هذين الحديثين بيان لمانع من موانع إجابة الدعاء، وإخبار منه - صلى الله عليه وسلم - باستجابة دعاء العبد إذا انتفى هذا المانع، وكأن الداعي حين يتعجَّل قد فقد الثقة في ربّه عزّ وجلّ، والعبد بطبيعته جاهل لما فيه المصلحة، ومن هذا ينبغي للمسلم أنْ يستوفي شروط إجابة الدعاء، ويتأدّب بآداب الداعي، ويظل يدعو ويدعو مع ثقته التامة في إجابة دعائه، وذكر مكي أنَّ المدة بين دعاء زكريا - عليه السلام - وطلب الولد والبشارة أربعون سنة [1] .
وذكر ابن عطية عن ابن جرير، ومحمد بن علي، والضحاك، أنَّ دعوة موسى - عليه السلام - على فرعون لم تظهر إجابتها إلاَّ بعد أربعين سنة" [2] ."
إنَّ الإنسان خلقه الله تعالى، وأوجد فيه غرائز وفطر، فيكون أحيانًا في غاية السرور والفرح من نفسه أو من أحد أقاربه وأصدقائه، وقد يتغيَّر الحال تمامًا، فيصير القريب عدوًا، والعدو صديقًا، بل قد يدعو الإنسان أحيانًا على نفسه وولده، ثم يندم بعد قليل، فلو استجيبت الدعوة لدام حزن هذا الإنسان إلى الأبد، قال سبحانه وتعالى: { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } [يونس: 11] . وقال سبحانه وتعالى: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } [المؤمنون: 71] .
إنَّ من أكبر موانع استجابة الدعاء، والتي قد عمت بها البلوى، ولا يلتفت إليها كثير من النَّاس إلاَّ من رحمه الله، وقليل ما هم، أكل الحرام، فقد بيَّن ذلك هادي البشريّة، ومعلم الإنسانيّة، محمد - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الذي أخرجه الإمام مسلم
(1) الفتوحات الربانية، مرجع سابق، 7/250.
(2) المحرر الوجيز: لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية المحاربي، 3/385
(المكتبة الشاملة) .