الصفحة 100 من 170

اما امثلتهُ في الحديث الشريف فهي كثيرة، منها قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط احدكم من الجنة خير من الدنيا ومن عليها، والروحة يروحها العبدُ في سبيل الله أو الغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها" [1] .

الرباط هو المرابطة أي ملازمة ثغر العدو، وقوله"وما عليها"أي على الدنيا وفائدة العدول عن قوله وما فيها، هو أن الاستعلاء أعم من الظرفية وأقوى، فقصده زيادة في المبالغة [2] . وقال ابن دقيق العيد [3] في قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"خيرٌ من الدنيا وما عليها"، يحتمل وجهتين:

احداهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس، تحقيقًا له في النفس، لكون الدنيا محسوسة في النفس، مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة.

والثاني: المراد أن هذا القدر من الثواب، الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لانفقها في طاعة الله تعالى [4] .

وقد اختار ابن حجر العسقلاني الرأي الأخير معللًا اختياره بقوله:"والحاصل أن المراد تسهيلُ أمر الدنيا، وتعظيم أمر الجهاد" [5] .

(1) صحيح البخاري: 2/152.

(2) ينظر: عمدة القاري: 14/176، وينظر: فتح الباري: 6/107.

(3) هو الشيخ تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع الامامة العلامة شيخ الاسلام ابن دقيق العيد القسيري المنفلوطي المصري المالكي الشافعي أحد الأعلام وقاضي القاضاة. ولد سنة 625هـ وتوفي سنة 702هـ. له مجموعة من التصانيف منها"الالمام والامام"وله"علوم الحديث"وكان محدثًا اصوليًا نحويًا شاعرًا ... ينظر: الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي: 4/193.

(4) ينظر: فتح الباري: 6/17.

(5) م.ن: 6/17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت