الصفحة 101 من 170

فالملاحظ على الحديث الشريف، أن عبارة:"خيرٌ من الدنيا وما عليها"تكررت ثلاث مرات فيه، بحروفها وكلماتها، إلا أن العبارة في المرة الثانية أستبدل فيها"ما"بـ"من"وهذا التغيير لا يؤثر على تكرار العبارة كلها؛ وذلك لان الوزن العروضي لـ"ما"هو ( ... ... ) والامرُ نفسه في (من) .

إن تكرار بعض الأصوات والكلمات والعبارات في انساق معينة، يوحي بمعان معينة تعزز الدلالة المراد ابرازها، وتلفت ذهن المتلقي اليها [1] . إذًا فتكرار عبارة"خيرٌ من الدنيا وما عليها"، يفيدُ لتعظيم أمر الجهاد والحط من شأن الدنيا.

اما إذا نظرنا الى العبارة التي كررت ثلاث مرات في الحديث من الناحية الإيقاعية المتوازية لوجدناها خفيفةٌ وسلسة، أضفت على الحديث - من جراء توازيها وتكرارها - جوًا من السيولة والصيرورة في الإيقاع، فاللكمات تنساب علىاللسان انسياب الماء في مجراه، اضف الى ذلك فإن العبارة من مجزوء الرجز، إذا ما قطعناها عروضيًا؛ لتتوازن كليًا ايما توازٍ:

خيرٌ من الدنيا وما عليها ... خيرن مند ... دنيا وما ... عليها

//ب/ ... //ب/ ... ب//

مستفعلن ... مستفعلن ... متفعل

هذه العبارة إذا تكررت في قصيدة شعرية لأغنتها بالإيقاع؛ لانسيابيتها وسهولتها؛ فكيف بها وقد تكرت في نص نثري ثلاث مرات، ويزيد من الأمر حلاوة أن الرسول الكريم لم يتقصد في انشاء تفعيلاتها، وانما جاءت عفو الخاطر، وعلى السجية والطبع السليمين.

إذا، فهذا التكرار المتوازي قد جعل الحديث يدل على الغرض باسلوب بلاغي مبين؛ وذلك باجتماع بحر الرجز بتفعيلاته اليسيرة السهلة، وبانسيابية الألفاظ، والتي تدل على حقارة الدنيا وتفاهتها، حيث انها بزينتها وشهواتها لا تساوي رباط يومٍ في سبيل الله، فجاءت هذه الحركة السريعة التي احدثها بحر الرجز، دالة على انقضاء الدنيا وزوالها بشكل سريع.

(1) ينظر: السور المدينة دراسة بلاغية اسلوبية: 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت