فهرس الكتاب
ولو أردنا أن نقارن بين هذا الحديث والذي سبقهُ؛ لوجدنا بينهما من المفارقات الشيء الكثير؛ وسبب ذلك هو اختلاف المخاطب والحدث، فعندما خاطب الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) الجاهلي الذي انشغل بالرعي والزراعة، استخدم الفاظًا قريبةً من واقعهِ ومحببةً الى نفسهِ، وعندما خاطب السيدة خديجة أتى بالفاظٍ مناسبةٍ لها، ومحببةٍ الى نفسها ايضًا، وجديرةٌ هي بها. فلو بشر النبي الكريم إمراةً غير خديجة؛ لكانت الألفاظ - والله اعلم - مختلفة تمامًا؛ لان ما تحمله السيدة خديجة من الصفات لا يوجد عند غيرها من النساء، كما صرح بذلك ابن حجر العسقلاني"وهي فضيلةٌ ما شاركها فيها غيرها" [1] .
إذا فمفهوم الدلالة لا يقتصر على معنى كل عنصر من العناصر، التي تدخل في تكوين العمل الأدبي، ولا على شبكة العلاقات بينها، بل لابد أن تشمل طريقة أدائها لوظائفها وكيفية انتظامها في هذا النسق، لتحقق فعالية جمالية خاصة [2] .
لم يقتصر اختلاف دلالة السجع باختلاف الحدث والمخاطب في النثر فحسب، بل تعداه الى المناظرات التي كانت تحدثُ بين الطرفين المتنازعين، نعم، فالرسول الكريم عندما كان يرى أن دين الإسلام الحنيف يتطلب مناظرة لنصرته كان يفعلها. فهذا أبو سفيان أخذ يرتجز يوم أحد قائلًا: اعلُ هبل اعلُ هبل. قال النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) الا تجيبوا له؟ قالوا يارسول الله ما نقول؟ قال:"الله أعلى وأجل". قال: قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) الا تجيبوا له؟ قال: قالوا: يارسول الله ما نقول؟ قال قولوا:"الله مولانا ولا مولى لكم" [3] .
(1) م.ن: 7/173.
(2) ينظر: انتاج الدلالة الأدبية، د. صلاح فضل: 5.
(3) صحيح البخاري: 2/175.