الصفحة 114 من 170

وكذلك طعن في قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) [1] وزعم أنه شعر في تقدير مستفعلن مفاعلن، وطعن في قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الحديث عنه:"هل أنت إلا إصبعٌ دميتِ؟ وفي سبيل الله مالقيتِ" [2] . فيقال له: إعلم انك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم، لوجدت فيها مثل: مستفعلن مستفعلن كثيرًا، ومستفعلن مفاعلن. وليس أحدٌ في الأرض يجعلُ ذلك المقدار شعرًا. ولو أن رجلًا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام ستفعلن مفعولات. وكيف يكون هذا شعرًا وصاحبهُ لم يقصد الى الشعر [3] ؟

فالغاية الملموسة من الحديث، أن الرسول الأكرم لم يرد من قوله الشريف شعرًا، وإنما أراد منه مخاطبة الخصم بما يفهم من اللغة، فلما كان الرسول الكريم والمسلمون في حالة حرب وغزو، كان الرجز من أنسب الأقوال للموقف. وكأن النبي أراد أن يهون على المسلمين ما أصابهم من الإنسحاب المادي، بشيء من الإنتصار المعنوي المتجسد في رجزه الشريف، الموحي بأنهم باقون على جهادهم وتضحيتهم.

وكذلك قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، عن أنس بن مالك قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون:

نحنُ الذين بايعوا محمد ... ... ... على الإسلام ما بقينا أبدا

والنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) يجيبهم ويقول:"اللهم إنه لا خير إلا خيرُ الآخرة، فبارك في الانصار والمهاجرة" [4] .

(1) سورة اللهب، الآية: 1.

(2) صحيح البخاري: 4/73.

(3) ينظر: البيان والتبيين: 1/288.

(4) صحيح البخاري: 2/143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت