فهرس الكتاب
قوله"اللهم إنه لا خير إلا خيرُ الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة"، وفي رواية أخرى:"اللهم إن العيش عيشُ الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة". قال ابن بطال: ليس هو من قولِ رسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) بل هو من قولِ ابن رواحة، ولو كان من لفظهِ لم يكن بذلك شاعرًا، ولا ممن ينبغي له الشعر، وانما يسمى به من قصد صناعته، وعلم السبب والوتد، والشطر وجميع معانيه من الزحاف والخرم والقبض، ونحو ذلك (قلت) أي العيني: فيه نظر لأن شعراء العرب لم يكونوا يعلمون ما ذكره من ذلك. وقولُهُ"إن العيش"أي العيش المعتبر أو العيش الباقي، وقوله"فاغفر الأنصار"ويروى (للأنصار) ويخرج به عن الوزن قوله"بايعوا"ويروى"بايعنا"وفيه من الفوائد، أن للحفر في سبيل الله، وتحصين الديار، وسد الثغور منها أجر كأجر القتال، والنفقة فيه محسوبة في نفقات المجاهدين الى سبعمائة ضعف، وفيه استعمال الرجز والشعر، إذا كانت إقامة النفوس وإثارة الأنفة والمعرة [1] .
وسواءٌ أكان الرجز من قول النبي، أم من قول ابن رواحة، فان الغاية هي ملائمة الحديث للمخاطب والموقف، ولا يخفى ما للكلام الموزون من الأثر على المخاطب والشد من ازره، كما يقول جابر عصفور:"ومن المؤكد أن اقتران الوزن بالتخييل الشعري، ليس أمرًا عشوائيًا، أو مجرد إكمال لتعريف الشعر. وإنما هو أمرٌ يرتبط بخاصية الوزن نفسه، من حيث تأثيره الذاتي في التلقي ..." [2] .
فلما علم النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن المسلمين في حالةٍ من التعب والنصب، أختار لهم شيئًا من رجز ابن رواحة، والذي بدوره يستميل عواطفهم ويزيد من معنوياتهم، ويخفف عنهم ما يخفف من عناء الكد والعمل، وهم منشغلون بحفر الخندق.
فإن دل هذا الحديث على شيء، فإنه دل على مخاطبة النبي الكريم الناس بما يريدون ويرغبون، فالنفوس بفطرتها تميل الى ما تحب وتصبو، وتنفر مما تكره.
(1) ينظر: عمدة القاري: 2/143.
(2) مفهوم الشعر: 157.