الصفحة 117 من 170

برز إتجاهٌ ثانٍ في الأحاديث النبوية الشريفة، اختلف عن الإتجاه الأول المشار اليه، تحت عنوان"اختلاف دلالة السجع باختلاف الحدث والمخاطب"، وهو ما اسميناه"الدلالة الهادئة للسجع"، ونقصد بالدلالة الهادئة، أننا لم نتلمس فيها تلك الحركة والسرعة المرتبطتين بمستوى وعي المخاطبين، بتعبير آخر أننا لم نجد فيها الطرفين المخاطِب والمخاطَب بارزين جليين، بل اننا نعلم المخاطِب، والمخاطَب مجهولٌ يدل على العموم. وهذا بدوره يقلل من فعالية السجع وحرارته. ويبدو على هذا الأخير شيء من طول النفس في التعبير، وقبسٌ من التفصيل.

منها قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"الخيلُ لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سترٌ، وعلى رجلٍ وزرٌ. فأما الذي له أجرٌ، فرجلٌ ربطها في سبيل الله، فأطال بها في مرجٍ أو روضةٍ، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنه إنقطع طيلها فاستنت شرفًا أو شرفين منه، ولم يردْ أن يسقيَ كان ذلك حسناتٌ له، فهي لذلك أجرٌ، ورجلٌ ربطها تغنينًا، وربطها فخرًا ورياءً ونواءً، لأهل الاسلام فهي على ذلك وزرٌ" [1] .

وجهُ حصر الخيل في الثلاثة: أن الذي يقتني الخيل إما أن يقتنيها للركوب، أو للتجارة، وكلٌ منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول، أو معصيته وهو الأخير، أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني [2] .

"وقوله"أجرٌ"أي ثواب، وقوله"ستر"أي ساتر لفقره ولحاله، وقولهُ"وزر"أي إثمٌ وثقل. وقولهُ"ربطها في سبيل الله"أي اعدها للجهاد، وأصلهُ من ربط الشيء، ومنه المرابط وهو الرجل يحبسُ نفسه في الثغور والرباط، وهو المكان الذي يرابط فيه المجاهد، ويعد الأهمية لذلك ..." [3] .

(1) صحيح البخاري: 2/53.

(2) ينظر: فتح الباري: 6/79.

(3) عمدة القاري: 12/215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت