فهرس الكتاب
ومما زاد من تعلق النفس بالحديث، ورود التوازي والتوازن بين فقرة وجملة، فلو أننا استثنينا حرف العطف"ثم"من الحديث لوجدناهُ يتوازى توازيًا غايةً في الدقة، فالفقرة الأولى منه تتكون من"17"كلمة، وكذلك الفقرتان الثانية والثالثة تنتهيان بسبع عشرة كلمة، مع اختتام كل فقرة منها بسجعة لطيفة، وهذا بدوره يزيدُ النغمة الهادئة حلاوةً. فقد ذهب البلاغيون القدامى الى أن الفقرات المزدوجة المسجوعة، إذا اختلف توازن ايقاع كل منها مع الأخرى ... فان السجع لا يكون حينئذٍ مقبولًا ... وذلك لأن النفس عندما تسمعُ ايقاع الفصل الأول من الفقرة المزدوجة المسجوعة، تتوقع ايقاعًا مماثلًا يوازنه ويعادله ويساويه في الفصل الثاني منها، فاذا قصر عنه، فانها ستبقى تتطلع الى ما يشبع حسها ويكمل توازن ايقاع الفصل الثاني مع الأول [1] . فمن ذلك ما ذهب اليه ابن الأثير مفسرًا هذه الظاهرة:"لان السمع قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طولهِ، ثم يجيءُ الفصل الثاني قصيرًا عن عن الأول، فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند سماعه، كمن يريد الإنتهاء الى غاية فيعثر دونها" [2] .
ومن ذلك قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"مثلُ المؤمن كمثلِ خامةِ الزرع، يقيئ ورقها من حيث أتتها الريحُ تكفئها، فإذا سكتت اعتدلت، وكذلك المؤمنُ يكفأ بالبلاء، ومثلُ الكافرِ كمثلِ الأرزةِ صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء" [3] .
قولهُ"كفأتها"بفتح الكاف والفاء والهمزة أي أمالتها، ... وقولهُ"كالأرْزة"بفتح الهمزة وسكون الراء ... معناها الثابتة في الأرض. وقولهُ"صماء"أي الصلبة المكتنزة الشديدة ليست بجوفاء، ولاخوارة ضعيفة، وقولهُ"حتى يقصمها الله"من القصم وهو الكسر عن إنابةٍ بخلاف الفصم بالفاء [4] .
(1) ينظر: الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية:63.
(2) المثل السائر: 1/33.
(3) صحيح البخاري: 4/291.
(4) ينظر: عمدة القاري: 21/210.