الصفحة 129 من 170

فلو عدنا الى نص الحديث الشريف، لوجدنا أن كلمة"الحق"تكررت تسع مرات، ولم يكن هذا التكرار عفويًا، وانما كانت خلفها دلالات خفية، أراد الرسول الأكرم أن يوضحها من خلال تكرارها. وهي أن كل لفظة مقرونة بكلمة الحق، فهي متحققةٌ حتمًا ولا جال للنقاشٍ فيها، فلو اراد النبي ان يدعَ بابَ النقاش مفتوحًا - والله اعلم - لقيد أول لفظةٍ بالحق وجعل الاخريات معطوفة عليه، كأن يقول: أنت الحق، ووعدك، ولقاؤك ...

ولكن جاءت الكلمة - الحق - غالقةً نافذة المناقشة ولاغيةً اياها، بالإضافة الى جرسها الموسيقي الشديد، الملائم لجو الحديث الجدي.

اما على الصعيد الإيقاعي، فاننا لا نجدُ جملةً من الجمل، التي تكررت فيها لفظة الحق، الا وهي جزءٌ موزونٌ وزنًا عروضيًا، ففي قوله"أنت الحق": تقابل تفعيلتي"فع لن فع لن"من تفعيلات بحر المتداول، وفي قوله"وعدك الحق"تقابل"فاعلاتن"وهي تفعيلة من تفعيلات الرمل، واما قوله"ولقاؤك حق"تقابل"فعلن فعلن"من تفعيلات بحر المتدارك، وقوله"وقولك حق"تقابل تفعيلة"مفاعلتن"من البحر الوافر، وقوله"والجنة حق"تقابل تفعيلتي"فع لن فعلن"من البحر المتدارك.

وهكذا فاننا لانكاد نقرأ عبارة منها، الا وهي تنتمي الى بحر من بحور الشعر، فليس بالغريب اذن أن يحدثنا مؤرخو الأدب عن الكلام العربي، فيصفونه بأنه شعر الموسيقى [1] .

(1) موسيقى الشعر: 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت