فهرس الكتاب
وهذه الظاهرة التي تلمسناها في الحديث الشريف، هي ما تدعو اليه القصيدة العربية الحديثة، لرفع مستواها، وهي ما تسمى بالمزاوجة الموسيقية، أي المزاوجة بين بحر شعري وبحر شعري آخر، أو بين الشعر والنثر، أو بين الشكل الحديث (الحر) والشكل القديم (العمودي) ، وهي بدورها تضفي على القصيدة قيمًا موسيقية جديدة، تؤهلها على نحوٍ اكبر لاستيعاب تجربة العصر الانسانية بإشكالاتها وتعقيداتها [1] ، واكثر هذه النماذج حضورًا وأهمية في القصيدة الحديثة"التداخل العروضي" [2] وهذا عين ما جاء في الحديث الشريف، فان دل على شيء فانه يدل على سمو وعلو منزلة الأحاديث النبوية، على الصعيدين الدلالي والإيقاعي.
ومن الملاحظ أن النبر المولد للإيقاع، قد ظهر بارزًا في الفاظ"الحق"الواردة في الحديث، وهذا يدل على أهمية المقاطع المنبورة، حتى جاء التركيز المحض مسلطًا عليها.
وهذا السجع الذي ختمت به عبارات الحديث، هو سجع من نوعٍ فريد، أي تكرار كلمة واحدة في نهاية تسعة جمل، دون أن تحدث اضطرابًا وخللًا في السياق، كما في المخطط الاتي:
أنت ... ... ... الحق
وعدك ... ... ... الحق
ولقاؤك ... ... ... حق
وقولك ... ... ... حق
والجنة ... ... ... حق
والنارُ ... ... ... حق
والنبيون ... ... ... حق
ومحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ... ... حق
والساعة ... ... ... حق
فليس بين بنية البياض (الصوت) ، وبنية السواد (الصمت) ، فارق زمني، بعبارة أخرى أن السقف الزمني، الذي تتكرر فيه كلمة"الحق"قصيرٌ جدًا، وكأنك تنطق بالالفاظ المتكررة جملة واحدة، لتحدث انفجارًا صوتيًا هائلًا في جو الحديث، يسفر عن بيان أهمية ما تكرر، مضيفًا اليها قلقلة القاف الشديدة.
ونظيرُ الحديث السابق قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في دعائه:"اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وامامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا" [3] .
(1) ينظر: القصيدة العربية الحديثة بين البنية ...: 212.
(2) م.ن: 213.
(3) صحيح البخاري: 4/100.