الصفحة 132 من 170

أما ما جاء في الحديث الشريف فهو مُخالفٌ لما في شعرنا القديم، من انتهائهِ بروي متماثل فحسب، ومخالف لما أطلق عليه فيما بعد"الشعر الحر"من الإختلاف في القوافي؛ لانه ينتهي بكلمةٍ تكررت ثماني مرات في نهاياته، وهذا مالا يحتمله الشعر بل يعتبرُ عيبًا كبيرًا فيه، إذن نستطيع أن نقول: إن هذه السجعات التي ختمت بلفظةٍ متكررة، هي نوعٌ جديدٌ من السجع، ومصاغةٌ بصياغة لم يعهد الشعر العربي ونثرهُ القديم مثلها، ولا عجب، فهي خارجة من فم انسان آتاه الله جوامع الكلم، فهو يمتلك زمام الألفاظ يأخذ بنواصيها حيث يشاء.

فاما على الصعيد الدلالي، فمن المعلوم أن كلمة النور يفهم منها الشيء الذي يضيء لنا الظلام، فهو ما يسميه - ابراهيم انيس - بالدلالة المعجمية [1] ، أو ما يسميه - تودوروف بالوظيفة المرجعية [2] ، ولكن ليس من المعقول، أن الفاظ النور كلها تدل على اضاءة الظلام! وإن كانت تحتمل بعضها، إلا أن هناك دلالات أبعد منها يمكن أن تستنتج من سياق الحديث كالهداية والطاعة والحفظ والسداد ... الخ، يمكن أن نطلق عليها (ضربًا من المخزون الكامن داخل اللغة) [3] . فكان انتهاء الحديث بلفظ واحد متكرر، يبعده عن الخطاب المباشر، الذي يفهم لأول وهلةٍ، ويدخلهُ في باب المجاز اللغوي، والذي بدوره يجعل الحديث ذا قيمةٍ تعبيرة راقية.

اما على الصعيد الإيقاعي فيكفينا أن نتمثل بقول اليزابيث دور"ولن يرقى الشعر الى مراتب الجودة والكمال، ولن يرخى أو يغذى فنيًا ذلك الإحساس بالبهجة، ما لم يلتئم ويرتبط بتلك النقرة الصوتية المتكررة، التي تبدو وكأنها زمام لولاه لظل الشعر مسيبًا لا يستطيع أن يتماسك، بل ظل مندفعًا بلا نظام كوهم رتيبٍ لا نهاية له ..." [4] .

(1) ينظر: دلالة الالفاظ، 48.

(2) ينظر: الأدب والدلالة: 10.

(3) م.ن: 114.

(4) الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث دور، ت: ابراهيم الشون: 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت