فهرس الكتاب
قوله"خطب الناس يوم النحر"لقط الخطبة ليس على حقيقة الخطبة المعهودة؛ لانه ليس فيه ما يدل على أمرٍ من امور الحج ... فقال:"يا ايها الناس"خطابًا لمن كان معهُ في ذلك الوقت، ووصيةً ايضًا للشاهدين بأن يبلغوا الغائبين، وقوله"أي يوم هذا"خرج مخرج الاستفهام والمراد به التقرير؛ لأنه ابدع [1] ، قوله"يوم حرام"أي يحرم فيه القتال، وكذلك الشهرُ وكذلك البلد [2] ، وتوصيف اليوم بالحرام، مجاز مرسل من قبيل قولهم رجلٌ عدلٌ لأن الحرام ليس عينَ اليوم، وانما هو الذي يقع فيه من القتال، وكذلك في قوله"بلدٌ حرام وشهرٌ حرام" [3] .
وقولهُ"وأعراضكم"جمع عرضٍ بكسر العين، وهو ما يحميه الإنسان ويلزمهُ القيام به، وقيل الحسب، وقيل النفس، ... وقيل: لو كان المراد من الاعراض النفوس لكان تكرارًا؛ لان ذكر الدماء كان إذا المراد بها النفوس [4] .
وقوله"كحرمة يومكم هذا"إنما شبهها في الحرمة بهذه الاشياء، لأنهم لا يرون استباحة تلك الأشياء، وانتهاك حرمتها بحال. وقيل مثل باليوم وبالشهر وبالبلد لتوكيد تحريم ما حرم من الدماء والأموال والأعراض ... وقوله"اللهم هل بلغت"إنما قال بذلك لأنه كان فرضًا عليه أن يبلغ، ومنه سميت حجة البلاغ [5] .
فالملاحظ على الحديث الشريف، أن الرسول الكريم كرر عدة أسماء والفاظ كـ"يوم وشهر، وبلد"، وكذلك كرر اسم الإشارة"هذا"ست مرات، كانت الغاية من تكرارها التوكيدُ عليها لأهميتها وضرورة الإلتزام بقدسيتها، إذًا فاللفظ المكرر إن دل على شيء ما قبل تكراره، فانه لا يدل على الشيء نفسه بعد تكراره، كما يقول تودوروف:"والتكرار طبعًا لا يكون تامًا ابدًا؛ لان المقاطع المكررة محاطة بسياق مختلف، واطلاعنا على الحكاية يكون كل مرة مختلفًا ..." [6] .
(1) عمدة القاري: 10/77.
(2) فتح الباري: 3/733.
(3) عمدة القاري: 10/77.
(4) ينظر: عمدة القاري: 10/78.
(5) م.ن: 10/78.
(6) الادب والدلالة: 70.