فهرس الكتاب
... اما على صعيد توازي فقر الحديث الشريف، فيمكن لنص الحديث أن يحتل المرتبة الثانية دون منازع بعد نص القرآن الكريم؛ وذلك لما يحمله من دقةٍ متناهية في إقامة الموازنة بين القرائن والفقر، فلا تزيدُ - في كثير من الأحيان - الفقرات بعضها على بعضٍ ولو بحرف واحد، ولا تنقص.
وهذا التوازي الدقيق قد فتح بابًا واسعًا للتوازن العروضي في نص الحديث، فنحن نعرف أن ايقاعية البيت الشعري صادرة من تساوي طرفيه: الصدر، والعجز، في عدد التفعيلات والأحرف أحيانًا، وقد استطعت أن أتوصل الى عدة أوزان مختلفة عند تقطيعي لفقر الحديث، فمنها ما جاء على غرار البحور الشعرية المعروفة، ومنها ما لم يجيء على نسقِ عروض الشعر العربي.
فمما جاء على شاكلة العروض العربي قوله (عليه السلام) :"خيرٌ من الدنيا ومن عليها"فهو من مشطور الرجز على وزن (مستفعلن متفعلن متفعل) .
وما جاء من كلامه موزونًا ولكنه لم ينتمِ الى أي بحر من بحور الشعر العربي، دليلٌ على سعة ومرونة ايقاع الحديث، وصحة وسلامة ذوقه (عليه السلام) فمنها قوله:"الأرواح جنودٌ مجندة، فما تعارف منها آئتلف، وما تناكر منها آختلف"، فقوله: فما تعارف منها آئتلف، جاء على وزن (متفعلن فعلن فاعلن) ، وكذلك الجملة التي بعدها فإنها على الوزن نفسه. فلا عجب أن نقول بعد ما تقدم أنهُ يمكن للكاتب الناثر أن يكتب على غرار ما جاء في الحديث النبوي الشريف من الأوزان والتفعيلات، حتى يرقى بنصه الى أعلى مستوى ممكن.
النتيجة الرابعة: لم يخلُ كلام النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) من احتوائِهِ على بعض الأرجاز التي توهمُ القارئ بانها شعرٌ، فتضطرُهُ الى أن ينسبها الى غيره من شعراء عصره، أو أن يضعفها؛ حتى ينزه بذلك كلام النبي من وقوع الشعر فيه.