الصفحة 143 من 170

لكن الأمر أهون من ذلك بكثير، حيث أنني أقول: هل إن كل كلام وقع موزونًا يعتبر شعرًا؟ الجواب لا. ولو أجبنا بنعم لكنا واضعي الباعة المتجولين في قائمة الشعراء؛ لاننا نسمعُ منهم ما يكون موزونًا، كقول احدهم: من يشتري باذنجان فانه على وزن (مستفعلن مفعولات) .

ثم هل ما جاء من كلام النبي الكريم موزونًا، كان مقصودًا أو غير مقصودٍ فيه؟ فلا شك أنهُ جاء من غير قصدٍ وتعمد بل جاء عفو الخاطر، فهو الذي جاء في حقه في سورة يس (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُو إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) فلا يمكن بل ومن المستحيل أن يتقصد الأوزان والتفعيلات في كلامه.

نخرجُ بعد ما مضى بنتيجةٍ، هي أن ما جاء من كلامه ( - صلى الله عليه وسلم - ) موزونًا فليس بشعر، وذلك لأنه لم يتقصد الى اقامة أوزانه، فوقع موزونًا على سجيته وطبعه السليمين، ولا ننسى أنه كان وليد عصرٍ تتواتر اليه النغمات من مناسم الابل وسنابك الخيل.

النتيجة الخامسة: تبين لي من خلال التجربة والبحث، مصداقية قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"نحن معاشر الانبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم"، فتارة يخاطب العربي الذي قضى حياته في الرعي باسلوب بسيط مفهوم، وذلك من خلال ايراد ألفاظ وصفاتٍ قد ألفها، فتكون استجابتُهُ صحيحة لما يدعو اليه النبي الكريم.

وتارة يخاطب الفارس العربي في سوح القتال، بما يفهمُهُ من اللغة والاسلوب، فيأتي بألفاظ وعبارات تكون بمثابة الرد عليه، وايقافه عند حده، وبرز ذلك جليًا يوم أحد، عندما تراجع المسلمون الى الجبل، فتبجح أبو سفيان حينئذٍ قائلًا: اعلُ هبل. اعلُ هبل. فأجابه النبي: الله اعلى وأجل، ثم قال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم، فأجابه النبي: الله مولانا ولا مولى لكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت