الصفحة 37 من 170

... بعدَ هذه المزايا الرفيعة للسجع النبوي الشريف، يصحُ أن نقولَ فيه قول د. أحمد ابراهيم موسى:"إنهُ ... يؤثر في النفوس تأثير السحر، ويلعبُ بالافهام لعب الريح بالهشيم، لما يحدثهُ من النغمةِ المؤثرة، والموسيقى القوية التي تطربُ لها الأذنُ، وتهش لها النفوسُ، فتقبلُ على السماع من غير أن يداخلها مللٌ، او يخالطها فتورٌ، فيتمكن المعنى في الاذهان، ويقر في الافكار، ويعزُ لدى العقول، وكان كل أولئك مما يتوخاهُ البلغاء، ويقصدهُ ذوو البيان واللسن ..." [1] .

... ولم يقتصر الامرُ على ورود السجع في الحديث النبوي الشريف بسموه وجماليته فحسب، بل تعداه الى أن النبي (عليه السلام) ترك في بعض الاحيان المألوف لأجل السجع، ومن ذلك قوله:"اعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عينٍ لامة" [2] ؛ لأن الاصل فيها من"ألم"فهو"ملمٌ" [3] .

... وربما غير الكلمة عن وجهها للموازنة بين الالفاظ، واتباع الكلمة أخواتها. كقوله:"إرجعنَ مأزوراتٍ، غيرَ مأحوراتٍ" [4] ، وانما أراد"موزورات"من الوزر. فقال مأزورات، لمكان مأجورات قصدًا للتوازن وصحة التسجيع على شرط البراءة من التكلف والخلو من التعسف [5] .

... ولكن بالرغم من هذا السمو، وهذه الرفعة التي لمسناهما في الاحاديث النبوية"يؤمن كلُ من قرأ في القرآن الكريم، وفي الحديث الشريف، أن بينهما من الفروق القدر الكبير، ولا سيما في الخصائص الاسلوبية والتعبيرية والفنية. وأن القرآن يختلف في هذا المستوى عن الحديث، وأن قائل هذا غير قائل ذاك" [6] .

(1) الصبع البديعي في اللغة العربية: 497.

(2) صحيح البخاري: 2/239.

(3) كتاب الصناعتين: 261.

(4) سنن اين ماجة، تحـ: محمد فؤاد عبد الباقي: 1/503.

(5) كتاب الصناعتين: 261، وينظر: ثمرات الاوراق في المحاضرات، ابن حجة الحموي: 281.

(6) أدب الحديث النبوي، د.بكري الشيخ أمين: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت