الصفحة 39 من 170

او هو"كون القسمين متساويين، ولا يحسن ذلك الا في فصل المغصن. نحو قولي: يغمرُ صبابة بياني بحرُ بلاغته الزاخر، ويحقرُ ذبالة احساني بدرُ فصاحته الزاهر ..." [1] .

وقد ورد في كلام النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، الكثير من السجع المتساوي القرائن، كقوله: وهو يتعوذ من:"جهدِ البلاءِ، ودركِ الشقاءِ، وسوءِ القضاء وشماتةِ الأعداءِ" [2] . وكقوله:"بسم الله: تربةُ أرضنا، بريقةِ بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا" [3] . وكقوله:"أربعٌ من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمنَ خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" [4] .

فاذا نظرنا الى الأحاديث السابقة، وجدنا المساواة بين قرائن السجع جلية وواضحة، كما هي بين:"جهد، ودرك، وسوء، وشماته"وبين"البلاء، والشقاء والقضاء والاعداء"، في الحديث الأول. وبين كل من"عاهد"،"خاصم"،"غدر"و"فجر"في الحديث الثالث.

"والأصل في السجع انما هو الإعتدال في مقاطع الكلام، والإعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفسُ تميلُ اليه بالطبع، ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الإعتدال فقط ... بل ينبغي أن تكون الالفاظ المسجوعة حلوةً حادةً، طنانةً رنانة، لا غثةً ولا باردة ..." [5] .

وقد علل العلماء عدم حسن طول القرنية الثانية عن الأولى بتعليلٍ نفسي، فزاوجوا بين علم النفس والبلاغة، يقول صاحب الصناعتين [6] :"فإذا كان المعنى وسطًا ورصف الكلام جيدًا، كان أحسن موقعًا وأطيب مستمعًا، فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه الى ما يليقُ بها كان رائعًا في المرأى، وان لم يكن مرتفعًا نبيلًا، وان اختل نظمهُ فضمت الحبة منه الى ما لا يليق بها اقتحمته العين وان كان فائقًا ثمينًا".

(1) إحكام صنعة الكلام: 240.

(2) صحيح البخاري: 4/105.

(3) م.ن: 4/17.

(4) م.ن: 1/15.

(5) البلاغة فنونها وأفنانها: 306.

(6) كتاب الصناعتين: 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت