الصفحة 64 من 170

ولا شك أن السجعَ الصق بالنثر من الشعر، ولكن هذا لا يمنعُ من مجيئهِ في الشعر أيضًا، ومجيئهُ في الشعر غيرُ ضروري كالقافية، فإن جاء فهو يزيدُ البيت جماليةً ورونقًا، وإنْ لم يجيء، فلا يخل بتركيب البيت ولا يكون عيبًا فيه، وأرى أن هذا هو الفرق الوحيد بين السجع في النثر والشعر.

إذًا فالسجع قد بسط جناحيه على النثر والشعر، ومن أمثلته في الشعر على وجه العموم [1] ، قول أبي فراس الحمداني:

وأفعالنُا للراغبين كريمةٌ ... وأموالنُا للطالبين نهابُ [2]

وقول المتنبي:

فنحنُ في جذلٍ والرومُ في وجلٍ ... والبرُ في شغلٍ والبحرُ في خجلِ [3]

ومن أكملهِ قول الشاعر:

ومكارمٌ أوليتُها متورعا ... وجرائمٌ الغيتُها متبرعا

"هذه الامثلة وغيرها تعطي حكمًا قاطعًا بوجود السجع في الشعر لا بقلةٍ بل بكثرة: وإنهُ لمن السهلِ التمثيل بالشعر لضروب السجع في النثر؛ لكن البلاغيين قد وقفوا مما في الشعر من السجعِ عند نوعين اثنين سموها: التشطير والتصريع" [4] .

اما التشطير:

"وهو أن يقسمَ الشاعرُ البيتَ شطرين، ثم يصرع كل شطر من الشطرين، لكنهُ يأتي بكل شطرٍ مخالفًا لقافية الآخر حتى يتميز من أخيه" [5] كقول أبي تمام:

تدبيرُ معتصمٍ بالله منتقمِ ... للهِ مرتقبٍ في الله مرتغبِ [6]

فالشطرُ الأول كما نرى سجعةٌ مبنيةٌ على قافية الميم، والشطر الثاني سجعةٌ مبنيةٌ على قافية الباءِ [7] .

وكبيت أبي تمام في ذلك قول البوصيري:

كالزهرِ في ترفٍ والبدرِ في شرفٍ ... والبحرِ في كرمِ والدهر في همم [8]

(1) البلاغة الاصطلاحية: 383.

(2) ديوان أبي فراس الحمداني، دار احياء التراث العربي - بيروت: 67.

(3) ديوان المتنبي، دار صادر للطباعة والنشر - بيروت: 337.

(4) البلاغة الاصطلاحية: 384.

(5) تحرير التحبير، أبن أبي الاصبع: 308.

(6) ديوان أبي تمام: 16.

(7) البلاغة الإصطلاحية: 384.

(8) ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني: 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت