الصفحة 71 من 170

و"الأصوات التي تتكررت في حشو البيت مضافة الى ما يتكرر في القافية، تجعل البيت اشبه بفاصلة موسيقية متعددة النغم مختلفة الالوان يستمعُ بها من له دراية بهذا الفن، ويرى فيها المهارة والمقدرة النفسية" [1] .

وكلام د. ابراهيم أنيس له صلةٌ وثيقةٌ بما ندعو اليه، فهو يضفي بحديثه طابعًا موسيقيًا نغميًا على النصوص التي يتوفر فيها مثلُ هذه السمة، أي سمة تكرار الحروف في حشوها، وهي بذلك تشد من أزر القافية أو السجعة التي تختمها.

ومن الاحاديث التي تكرر فيها حرف واحد أكثر من مرة قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"من تردى من جبلٍ، فقتل نفسهُ، فهو في نار جهنم، يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا، فقتل نفسه، فسمهُ في يده، يتحساه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسهُ بحديدةٍ، فحديدته في يده، يجأبها في بطنهِ، في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" [2] .

قوله"من تردى من جبل"أي اسقط نفسهُ منه، لما يدلُ عليه قولهُ:"فقتل نفسهُ"على أنه تعمد ذلك، والا فمجرد قوله تردى لا يدل على التعمد [3] .

وقوله:"من تحسى"بمهملتين بوزن تغذى أي تجرع [4] .

وقوله:"يجأبها"بفتح أوله وتخفيف الجيم وبالهمز، أي يطعنُ بها [5] .

"والجبلُ كنايةٌ عن كل مرتفع أو منزلقَ يهوي منه من يريد الإنتحار ... ولقد رسم الرسول الكريم ( - صلى الله عليه وسلم - ) هول الانتحار، وفداحة جريمته، وشدة العقوبة لصاحبه، بهذه الصورة المفزعة للثلاثة وامثالهم، نتخيلهم في عذاب دائم، تلفحهم النارُ في قلب جهنم، وكأننا نشهدهم على الشاشة، يحاولون الفرار من النار، وردها عن وجوههم عبثًا، لا في يومٍ أو عام أو بضعة أعوام، إنهم في عذاب مقيم أبدًا" [6] .

(1) موسيقى الشعر، ابراهيم أنيس: 44.

(2) صحيح البخاري: 4/23.

(3) فتح الباري: 10/305.

(4) م.ن: 10/305.

(5) م.ن: 10/305.

(6) أدب الحديث النبوي: 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت