فهرس الكتاب
هذا على الصعيد البلاغي، أما على الصعيد الإيقاعي، فإننا نرى البياض الأدائي (بنية الصمت) ، في القرائن التي تنتهي بها السجعات (يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ، يختلف اختلافًا تامًا عن التلوين النغمي، الذي ينتهي بها قرائن السجع في الجملتين،"كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟"، وما هذا الإختلاف في التلوين النغمي إلا بسبب دخول حرف الإستفهام (هل) على الجملة الثانية، والتي أفادت الإستنكار، وهو بدوره جعل النغمة الأدائية في بنية الصمت مختلفًا عما سبق. وإن كانت الجمل الأولى، والجملتان التاليتان تعالجان موضوعًا دلاليًا واحدًا، الا أن كلا منهما يعالجه بنغمة ايقاعية مختلفةٍ عن الآخر.
وقريبٌ من الحديث السابق قولهُ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، عن ابن عباس (رضى الله عنه) أن هلال ابن أمية قذف امرأته فجاء فشهد والنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) يقول:"إن الله يعلمُ أن احدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت" [1] .
قوله"إن الله يعلمُ أن أحدكما كاذب"ظاهرهُ يقتضي أنهُ انما قاله بعد الملاعنة لأنهُ حينئذٍ تحقق الكذبُ ووجبت التوبة، وذهب بعضهم الى أنهُ قالهُ قبلَ اللعان لا بعدهُ تحذيرًا لهما ووعظًا، وقال بعضهم: وكلاهما قريبٌ من معنى الآخر" [2] ."
ولو أردنا معالجة الحديث الشريف على المستوى الإيقاعي، لرأينا أن بنية السواد (الصوت) في الجملة الأولى تعادل ضعف بنية السواد في الجملة الثانية، حيث نلاحظ أن بنية الصوت بدأت في الجملة الأولى واسعة، ثم انحسرت في الجملة الثانية، اما بنية الصمت، فانها بدأت منحسرة في الجملة الأولى ثم توسعت في الجملة الثانية، ولتوضيح هذا الكلام نرسم هذا المخطط:
بنية ... ... ... ... ... ... بنية
السواد ... ... ... ... ... ... البياض
(الصوت) ... 2 ... ... ... ... (الصمت)
(1) صحيح البخاري: 3/279.
(2) عمدة القاري: 20/295.