فهرس الكتاب
إذن، فالمفارقة قائمة في الحديث النبوي بين بنيتي (البياض، والسواد) ، الا أن بنية البياض الأدائي (الصمت) ، يختلفُ بين السجعتين (كاذب وتائب) ، فالتلوين النغمي المنبعث من الوقوف على السجعة الأولى، مختلفٌ تمامًا عن التلوين النغمي المنبعث من الوقوف على السجعة الثانية. فاما سبب هذا الإختلاف في النغم، هو علامة الإستفهام التي اختتمت بها الجملة الثانية، فالبياض الأدائي في الوقوف على السجعة الأولى تقريري، اما البياض الأدائي في الوقوف على السجعة الثانية (تائب) استفهامي، وهذا بدوره يزيد من بنية البياض الأدائي في الجملة الثانية على الأولى.
إذن،"فغياب الترقيم في نهاية الجملة، يشكل ظاهرة من ظواهر انفصام موازاة الصوت للمعنى، الذي يضمن للخطاب تبينًا أقوى" [1] .
كما قلنا إن لعلامات الترقيم دورًا في ابراز الجانبي النغمي، فان للتعجب بصفته علامةً من علامات الترقيم، شأنًا في إظهار النغمة من ثنايا النص الأدبي، ويمكننا أن نأخذ حديثًا نبويًا شريفًا، شاهدًا على ذلك:
عن ابن عباس (رضى الله عنه) يقول سمعت النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) يقول:"لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم الا التراب، ويتوب الله على من تاب" [2] .
قولهُ"ولا يملأ جوفَ ابن آدم"وفي الحديث الثاني"ولا يملأ عين ابن آدم"وفي الثالث"ولا يسدُ جوف ابن آدم"، وفي الرابع"ولا يملأ فاه"فليس المقصود من الأحاديث الحقيقية بقرينة عدم الإنحصار على التراب إذ غيره يملؤهُ ايضًا، بل هو كناية عن الموت لأنه مستلزم للإمتلاء، فكأنه قال لا يشبعُ من الدنيا حتى يموت [3] . واما العين فلأنها الأصل في الطلب لأنه يرى ما يعجبه فيطلبه ليحوزه اليه، وقيل فيه اشارة الى ذم الاستكثار من جمع المال، وتمني ذلك، والحرص عليه [4] .
(1) ينظر: بنية اللغة الشعرية: 62.
(2) صحيح البخاري: 4/119.
(3) عمدة القاري: 23/45.
(4) فتح الباري: 11/307.