فهرس الكتاب
فقبل كل شيء، نجد أن النفس بطبيعتها تميل الى الكلام المتوازن والمتوازي دون امعان النظر، واشغال الفكر، يقول ابن الأثير:"وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة، وقعت من النفس موقع الإستحسان وهذا لا مراء فيه لوضوحه" [1] ،"فاذا اختلف توازن ايقاع كل منها مع الأخرى، من حيث الطول في بعضها، والقصر في البعض الآخر، فان السجع لا يكون حينئذ مقبولًا ... لأن النفس عندما تسمع ايقاع الفصل الأول، من الفقرة المزدوجة المسجوعة، تتوقع ايقاعًا ممائلًا بوازنهُ ويعادله ويساويه في الفصل الثاني منها، فاذا قصر عنه، فانها ستبقى تتطلعُ الى ما يشبع حسها، ويكمل توازن ايقاع الفصل الثاني مع الأول، وعندما لا تجد ذلك، فإنها ستشعر بالنقص، فتكون كمن يريد الإنتهاء الى غاية فيعثر دونها" [2] .
اما على صعيد توازي التكرار النبري، بعد علمنا أن الكلمة إذا تكونت من (///5) كان النبر على المقطع الأول. أي (/×//5) ، وإذا كانت تتكون من (/5) أو (//5) كان النبرُ على المقطع الذي يسبقهما [3] .
فلو رجعنا الى الحديث الشريف، وأردنا أن نطبق عليه القول السابق لوجدناهُ كالاتي:
فما تعارف منها ائتلف ... ... ... وما تناكر منها أختلف
فماتعا رفمن هأتلف ... ... ... وما تنا كرمن هآختلف
فالملاحظ أن مواطن النبر، جاءت متساوية في طرفي الحديث الشريف، حيث لا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، فبدأ الحديث وكأنه لوحةٌ هندسيةٌ، قد وضعت أبعادها، وقيست وحداتها، فلا يمكن لوحدة أن تزيد على الاخرى أو تنقص، ولو بقدر انملةٍ واحدة، وهذا ما يعطي اللوحة جمالًا يسرُ الناظرين.
(1) المثل السائر: 1/378.
(2) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: 63.
(3) ينظر: في البنية الإيقاعية للشعر العربي، كمال أبو ديب: 355.