الصفحة 89 من 170

وهذا التكرار المتوازي للنبر، يكون على درجة عالية من الصوت، لان السامع سوف يرتبط ذهنيا ليس بالألفاظ، أو التكرارات النحوية بالدرجة الاولى، لكن بما فوقها من تركيب صوتي متكرر [1] .

وشبيه الحديث السابق قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"ما من يومٍ يصبحُ العبادُ فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم إعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم اعطِ ممسكًا تلفًا" [2] .

قوله (الا ملكان) فالمستثنى منه محذوف ولكنه مقدرٌ معقول (احد) أي ليس يومٌ موصوف بكذا ينزلُ أحدٌ الا ملكان، فحذف المستثنى منه بقرينة وصف الملكين عليه.

وقولهُ (خلفًا) أي عوضًا، يقالُ أخلفَ الله عليك، أي ابدلك بما ذهب منك، وأما اعطِ الثاني، فهو مشاكل للأول اذ التلف لا يعطى [3] .

والدعاء بالتلف محتمل تلف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها [4] .

فلو نظرنا الى الحديث الشريف من زاوية جمالياته عامة، ومن حيث توازيه خاصة، لصرنا أمام كفتي ميزان متعادلتين، لا تزيدُ أحداهما على الأخرى ولا تنقصُ عنها، وهذا بدوره يبعثُ اللذة والشوق في نفس القارئ، قبل أخذه بنظر الاعتبار مكامن الحسن فيه، على الصعيدين البلاغي والموسيقي. ولجعل الكلام اكثر وضوحًا نرسم هذا المخطط:

الجملة الأولى ... ... الجملة الثانية

اللهم ... ... ... ... اللهم

اعطِ ... ... ... ... اعطِ

منفقًا ... ... ... ... ممسكًا

خلفًا ... ... ... ... تلفًا

(1) ينظر: التوازي في القرآن الكريم: 20 (أطروحة دكتوراه) .

(2) صحيح البخاري: 1/250.

(3) ينظر: صحيح البخاري بشرح الكرماني: 7/205.

(4) فتح الباري: 3/389.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت