الصفحة 92 من 170

قبل كل شيء نلاحظ ملمحًا بارزًا في الحديث الشريف، وهو ما يسمى بالفاصلة الداخلية [1] في القرآن الكريم بما في ذلك النثر، ويتجلى ذلك في تكرار حرف (ت) في قوله (ما قدمتُ وأخرت) و (أما أسررت وما اعلنتُ) في ثنايا الجمل بالإضافة الى السجعة التي تختتم بها الجمل. ولا يخفى ما في هذا الظاهرة من الأثر، على الجانب الموسيقي والإيقاعي للكلام، وذلك في اثرائه بالنغمات المنبعثة من بين الكلمات، فهي تقوم"مقام المرتكزات والمحطات النفسية معنىً وموسيقىً" [2] .

الآن نعود الى التوازن والتوازي الحاصل في الحديث الشريف، فلو أردنا أن نقطع جمل الحديث عروضيًا لبان لنا امران:

1-انتماء جمل الحديث الى ما يسمى بـ (بحر المتدارك) .

2-توازي جمله من حيث عدد حروفه وكلماته.

ففي قوله: ما قدمت وما اخرت، وما اسررت وما اعلنت. نجد توازنًا

عروضيًا تامًا:

وتفعيلاته كالآتي: فع لن فع فعلن فع لن فع ... فع لن فع فعلن فع لن فع

والتفعيلات كلها تنتمي الى بحر المتدارك، ما عدا المقطع (فع) (/5) فانه لا ينتمي الى البحر، وكلنا يعلمُ، ما في هذه التفعيلات من الخفة والسرعة، وكأنما اللسان يقفز عند قراءته اياها، ولعل هذه الخفة والسرعة في التفعيلات، تكون ملائمة لحال المؤمن، الذي يقترف معصية أو خطيئة، فسرعان ما يندم ويرجع عن فعله، وقد أدرك الرسول الكريم بفطرته السليمة، هذه المقاربة والملائمة بين الألفاظ ودلالاتها والله أعلم.

(1) ان تكون الجملة مبنية على سجعتين، لو اقتصر على الأولى منهما كان الكلام تامًا مفيدًا وان الحقت به السجعة الثانية كان في التمام والافادة على حالة مع زيادة معنى مازاد من اللفظ. ينظر: الفاصلة في القرآن: 182.

(2) م.ن: 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت