فهرس الكتاب
فالتوازن جلي وظاهر بين طرفي الحديث، وخاصة في المقطع الذي يلي المقطع الأول من الحديث وهو (أنت المقدم، وأنت المؤخر) ، فالممعن نظره في هذا المقطع يجد جملتين قصيرتين، متوازيتين متساويتين في الألفاظ، وكثيفتين في الدلالة والمعنى. اما قوله (المقدم، والمؤخر) فالتوازن حاصل بينهما، حيث أنهما تتفقان في الوزن، وتختلفان في حرف الروي وهذا ما يسمى بالتوازن [1] ، فـ (المقدم) وزنه (//5/5) فعولن، و (المؤخر) وزنه (//5/5) فعولن وهذا عين التوازن في الكلام.
وامثلة هذا الحديث كثيرة في الحديث النبوي الشريف، منها قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"أربعٌ من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلةٌ منهن، كانت فيه خصلة من انفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" [2] .
فالتوازي جلي وواضح في المقطعين الأخيرين من الحديث"إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"بين كل من (عاهد وخاصم) و (غدر وفجر) .
ومنها قوله:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" [3] فالتوازي والتوازن بين كل من"يسروا ويشروا"و"لا تعسروا ولا تنفروا".
وهذا لنوع من السجع يسمى بالسجع القصير، وهو من ارقى أنواع السجع، كما جاء في قول الدكتور عبد الفتاح لاشين"والسجع القصير يدل على قوة المنشئ، وتمكنه في الصناعة، لصعوبة إدراكه، وعزة اتفاقه، ووعورة مذهبه، وبعد تناوله ... ثم هو أجملُ صورةً، وإحلى موقعًا؛ لقرب توارد الفاصلتين على السمع، ولا خفاءَ في أن تواليها بسرعة في ازمنة متساوية، يشعر أننا بانسجام حاضر دائمًا، فتظل الاذن مهدهدة دون أن يفاجئها أي شيء غير منتظر" [4] .
(1) ينظر: البرهان في علوم القرآن: 1/105.
(2) صحيح البخاري: 1/15.
(3) م.ن: 1/24.
(4) البديع في ضوء أساليب القرآن: 128.