الصفحة 94 من 170

ومن امثلة التوازي المتوازن بين فقر الحديث قولهُ ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمرَ حينَ يشربُ وهو مؤمنٌ، ولا يسرقُ حين يسرقُ وهو مؤمنٌ، ولا ينتهبُ نهبةً يرفعُ الناس اليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمنٌ" [1] .

قوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، قيد نفي الإيمان بحالة ارتكابه لها، ومقتضاه، إنهُ لا يستمرُ بعد فراغه وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون المعنى، أن زوال ذلك إنما هو إذا قلع الإقلاع الكلي، واما لو فرغ وهو مصرٌ على تلك المعصية فهو كالمرتكب، فالنتيجة أن نفي الإيمان عنه يستمر، ويؤيده ما وقع في بعض طرقهِ [2] ."وقيل يزولُ منه الثناء بالإيمان لا نفس الإيمان، وقيل يزول ايمانهُ إذا استمر على ذلك الفعل" [3] .

هناك ثلاثة أنواع من التوازي في الجمل من حيث موقعها، فمنه من يقع في بدايات القرائن [4] ، ومنه ما يقع في وسطها و، ومنه ما يقعُ في نهاياتها [5] . اما في الحديث الشريف، فإننا نجد الأنواع الثلاثة، قد جاءت في نصٍ واحدٍ، وهذه البلاغة بعينها، والفصاحة نفسها، كما في قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"لا يزني، لا يشرب، لا يسرق، لا ينتهب"فهذه البدايات استهلت بها بداية كل جملة من جمل الحديث؛ لتصبح متوازية، وكأن القارئ يقرأ جملة واحدةً لقرب ايقاعاتها، وترنمها الموسيقي. اما التوازي الحاصل في وسط الفقر، فهو كما في قوله (حين يزني، حين يشرب، حين يسرق، حين ينتهب) . بقي لدينا التوازي الكائن في خواتم الجمل، فلا شك انه جليٌ في قوله (وهو مؤمن) ، حيث تكررت اربع مرات مع كل جملةٍ من جمل الحديث الشريف. وللزيادة في التوضيح نرسم الجدول التالي:

(1) صحيح البخاري: 2/72.

(2) ينظر: فتح الباري: 12/69.

(3) عمدة القاري: 13/26.

(4) البرهان في علوم القرآن: 2/59.

(5) ينظر: السور المدينة دراسة بلاغية واسلوبية، د. عهود عبد الواحد: 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت