الصفحة 139 من 167

ثم غلب على وجوه الخلاف تلك اسم (علم النحو) وكان القياس أن يسمى (علم الأنحاء) لأنها أنحاء مختلفة لا نحو واحد أي طرق لا طريق واحد، وإنما غلبت صيغة المفرد؛ لأن صيغة الجمع تفيد العلم بوجود وجوه مختلفة نحا إليها العلماء لكنها لا تفيد أي نحو من تلك الأنحاء الذي يجب أن يسلك ويعمل به، أما صيغة المفرد فتفيد العلم بوجود وجهٍ واحد، وهذا الوجه الذي نحا إليه العلماء هو الذي يجب أن يسلك ويعمل به.

ولما كانت هذه التسمية لم تكن إلا بعد الخلاف بين العلماء فإن ذلك دليل على أن هذا المصطلح لم يتداول إلا في أواخر القرن الثاني الهجري إذ كان أوج الخلاف بين البصرة والكوفة.

ومن ثَمَّ فالنحوي عند التحقيق هو كل من نحا نحوًا لم يسبق إليه أي سلك طريقًا جديدًا في شرح جملة من جمل العربية حتى صار هذا النحو أو الطريق والمذهب يعرف باسمه، فيقال: هذا نحو الخليل، وهذا نحو الكسائي، وهذا نحو الفراء، وهذا نحو الأخفش، وهكذا.

قال ابن السكيت:"نحا الشيء ينحاه وينحوه إذا حرّفه، ومنه سمي النحوي لأنه يُحَرِّف الكلام إلى وجوه الإعراب" [1] .

قلت: ومعنى قوله: (نحا الشيء) أي جعله في ناحية، ومعنى قوله (حَرّفه) أي جعل الشيء في حَرْف وهو الطرف والجانب، ومعنى قوله: (ومنه سمي النحوي لأنه يحرف الكلام إلى وجوه الإعراب) أي لأنه يجعل الكلام حروفًا أي أطرافًا، وكل حرف أي طرف يتجه إلى وجه من وجوه الإعراب.

قلت: ولو جعل ابن السكيت كلمته بصيغة الجمع أي لو قال: (ومنه سمي النحويون لأنهم يحرفون الكلام إلى وجوه الإعراب) لكان أحسن.

المبحث الثاني: ذكر أطوار إصلاح اللحن

قلت: أصلح العرب اللحن بثلاثة طرق:

الطور الأول: تلقين الصواب

وهو أن يُلَقَّنَ اللاحنُ الصوابَ ليرجع إليه، وقد عملت العرب بهذه الطريقة في الجاهلية والإسلام، فمن ذلك في الجاهلية أن النابغة أقوى"فما تجاسر أحد أن يقول له فأتوه بقينة فغنت...."

(1) لسان العرب: نحا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت