الصفحة 142 من 167

وقال ابن جني في الخصائص:"لا شك أن العرب قد أرادت من العلل والأعراض ما نسبناه ألا ترى إلى إطراد رفع الفاعل، ونصب المفعول، والجر بحروفه والنصب بحروفه، والجزم بحروفه، وغير ذلك من التثنية والجمع والإضافة والنسب والتحقير وما يطول شرحه، فهلا يحسن بذي لب أن يعتقد أن هذا كله اتفاق وقع، وتواردٌ اتجه" [1] .

قلت: وإنما سمى النحاة المعاني السياقية والمحالَّ السياقية عللًا بسبب طريقة ضبطهم؛ ذلك أنهم ضبطوا نحو قولنا: (أخذ الغلامُ العلمَ في المسجد) . على الصورة الآتية:

-الغلامُ: اسم مرفوع الهواء لأنه فاعل.

-العلمَ: اسم منصوب الهواء لأنه مفعول به.

-المسجدِ: اسم مجرور الهواء لأنه حل بعد (في) .

فكانت طريقة ضبطهم تجعل المعنى السياقي وهو الفاعل بمنزلة علة رفع المتكلم للهواء. والمفعول به بمنزلة علة نصب المتكلم للهواء. وكان المحل السياقي وهو حلول الاسم بعد (في) بمنزلة علة جر المتكلم للهواء.

وميزة هذه الطريقة أن المتكلم يستطيع وحده أن يضبط كلامه بعد تعلمها؛ فهو لا يحتاج متقنًا إلى جواره ليلقنه الصواب كما في الطريقة الأولى، ثم إن المتكلم يستطيع وحده أن يضبط بها النص المكتوب أيضًا، فأنت ترى أن جل كتابات القدماء والمعاصرين عُطْلٌ من الشكلات، ومع ذلك فإن المتقن لهذه الطريقة يستطيع أن يضبط تلك النصوص المكتوبة.

المبحث الثالث: ذكر أول من استخرج القواعد

أول من استخرج القواعد أبو الأسود الدؤلي إذ ذكر كلامًا في الفاعل والمفعول ولم يزد عليه، وكل ما زِيدَ على ذلك منحولٌ لا يصح منه شيء، وكل ما ينسب إلى علي رضي الله عنه من الكلام في بعض أبواب النحو منحولٌ أيضًا لا يصح منه شيء، وسيأتي تفصيل ذلك في المبحثين الخامس والسادس إن شاء الله.

(1) الاقتراح: 70-71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت