فهرس الكتاب
ثم كان لا بد لمن يُصِرُّ على صحة الخبر المروي بين أبي الأسود وعلي رضي الله عنه أن يفسر سبب عدم تبيين أبي الأسود لزيادٍ من أنه كان قد ابتكر قبل سنوات طريقة لا يُضبط بها كتابُ الله فحسب، بل كلامُ العرب أيضًا المسموعُ والمنطوقُ والمكتوب.
وخلاصة الأمر أن كل ما ينسب إلى أبي الأسود وعلي رضي الله عنه منحول لا يصح منه شيء، وأن أول ما ابتكره أبو الأسود كان نقاط الشكلات، ثم ارتقى فضبط الكلام بالقواعد، فكان أن استخرج قاعدتي الفاعل والمفعول ولم يزد على ذلك، ثم زاد العلماء من بعده كما سبق ذكره.
قلت: وإنما نَحَلَت تلك الرواياتِِ التي تُرجع أول النحو إلى أبي الأسود وعلي رضي الله عنه الشعوبيةُ المتشايعةُ، ذلك أنهم لما رأوا أن النحو يرجع إلى رجل من بني أمية حَوَّلوا الرواية فجعلوها إلى علي رضي الله عنه وإنما سوّغ لهم ذلك أن أبا الأسود كان مع علي رضي الله فيما نشب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من خلاف.
واعلم أن من نَحَل على علي رضي الله عنه أنه قال:"الكلام اسم وفعل وحرف..."إنما كان قد نظر في كتاب سيبويه، فظنّ أن أول كتاب سيبويه هو أول باب ابتدع في النحو، وليس هذا صحيحًا، بل كان أول أبواب النحو باب الفاعل والمفعول، فلما كَتَبَ سيبويه كتابه بدأه بأقسام الكلام.
وكل من أَلَّف يعلم أن ترتيب الكتاب ليس دليلًا على أن أوله هو أول المفروغ منه، وأن آخره هو آخر المفروغ منه، فهذا كتابي، اعلم أنني قد فرغت من الأصل الرابع قبل الأول والثاني والثالث، بل فرغت منه قبل المقدمة على الأصول، ثم رأيت أن أقسمه فجعلت آخره أصلًا بذاته وجعلته الأصل الخامس، ثم اشتغلت بالأصول الأولى شيئًا ثم تركتها، واشتغلت بالأصل الثامن قبل السابع والسادس وإن كان عندي مُسَوَّدات فيهما غير مكتملة، وهكذا هذا الأمر يعرفه كل من ألّف.
المبحث الثامن: تفسير بعض صفات أبي الأسود رحمه الله